تمت الإضافة بتاريخ : 08/04/2021

رياح رمضان أقبلت

صغير بن محمد الصغير

أيها الأحبة: من أعظم أسباب الانشراح والطمأنينة والاستقرار والراحة النفسيّة: بعد الإيمان بالله وكثرة الذكر لله سبحانه: أن يؤمل المسلم على يقين أو غلبة ظن ما سيحصل له في أيامٍ مقبلة من استقبال حبيب أو إنجاز عمل أو حصول مطلوب، كيف إذا كان الاستقبال لنفحات من ربه عز وجل كما هو حالنا اليوم في تحري شهر رمضان المبارك إذ تبقى عشرةُ أيام على دخوله.. رُوي عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قوله: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ فَتَعَرَّضُوا لَهُ، لَعَلَّهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ نَفْحَةٌ مِنْهَا فَلَا تَشْقَوْنَ بَعْدَهَا أَبَدًا» [1].

  وقد فطن الصالحون لهذه الغاية العظيمة، واستعدوا لها من جميع النواحي، يدعون الله أن يبلغهم رمضان ويخططون لعباداتهم بجميع أحوالها وأنواعها حتى قال قائلهم: ((نية المؤمن خير من عمله))..

  لا شك أن النفوس تبتهج بقدوم هذا الموسم العظيم لكن لنعلم أننا بقدومه تتقدم أعمارنا وتمضي أيامنا، فإنما العبد أيام فكلما مضى منه يوم مضى منه بعضُه: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [الور: 44] فكم كان بيننا من أحباب عاشوا معنا في رمضانات ماضية شاركونا صومنا وجالسونا على موائد فِطرنا، هم اليوم تحت التراب يرجون من الله رحمته وعفوه وغفرانه، فلنجعلها بداية تغيير وتحول لنا تجاه ربنا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [التحريم: 8].

  ولنكن ممن طبّق حقيقة الإسلام واقعاً في حياته، فهي استسلام لله تعالى وانقياد له في أمره كله، ولسانه دائماً يلهج عند سماع أوامر الله بقوله: سمعنا وأطعنا، قال سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51].

  وهذه مواسم وأيام خير أقبلت تمضي ثم تعود بما يمضي معها من أعمارنا، فالعاقل من استعد لهذه المواسم وتفرغ لها وجعلها أيام طاعة وإنابة.. فأيام شعبان المتبقية لتقض فيها حاجتك من سوق أو عمل ونحوه، ولترسم فيها خطة استغلال رمضان، حتى لا يضيع وقت في رمضان بارتياد الأسواق والمجمعات ونحوها، فأوقات رمضان فرصة ربما لن تعود..

  يقول الإمام ابن رجب -رحمه الله-: "فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرّب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات، فعسى أن تُصيبه نفحةٌ من تلك النفحات، فيَسعدَ بها سعادةً يأمنُ بعدها من النار وما فيها من اللفحات"[2].

  ويقول ابن القيم: "السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها والأنفاس ثمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرته ثمرة طيبة، ومن كانت أنفاسه في معصية فثمرته حنظل"[3].

أقول قولي هذا وأستغفر الله   أيها الإخوة: انتبه بعض أهل العلم إلى لفتةٍ مهمة عند قوله تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ? وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 100] وهي أنّ الشروع في عمل الطاعة واستباق الخيرات تجعل العبد يكتب له عمله الذي نواه وشرع به حتى ولو لم يكمله بل ولو لم يعمله؛ إذا حال بينه وبين فعل الخير عارض من موت أو مرض أو سفر، ودلّ على ذلك أيضاً ما جاء في صحيح البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا»[4].

   بل إن العبد ليُبعث على ما مات عليه، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» [5]، فمن جاءه الموت وهو من المسارعين السابقين بُعِث يوم القيامة من السابقين، فهنيئًا له قوله تعالى: «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» [الواقعة: 10 ، 11].

   عباد الله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

_______________

   [1] أخرجه الطبراني في الكبير (519)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (1917). [2] تفسير ابن رجب الحنبلي (1/ 532) [3] الفوائد لابن القيم (ص: 164). [4] صحيح البخاري (2996). [5] صحيح مسلم (2878)