المشرف العام
تغيير المنكر
تمت الإضافة بتاريخ : 05/04/2013م
الموافق :
fiogf49gjkf0d

تغيير المنكر 

الشيخ / محمد الوزير الوقشي

بين يدي تغيير المنك

تغيير المنكر ، وزيادة المعروف والحث عليه ، من الأمور المعلومة في الشريعة الإسلامية ، وقد وردت نصوص كثيرة في الحث على المعروف ، و التحذير من المنكر ، وقد ذكر الشاطبي في الموافقات فائدة في كثرة النصوص في الأمر وقلتها عنه ، وهي : ( أن الأمر إذا كان شاقا على الأمة ، وكان في النفس داعية إلى تركه والانصراف عنه ، وكان مطلوبا ضرورة في الشريعة ، فإن النصوص تكثر في الحث عليه ، وضرب مثلا بالجهاد ، فقد وردت نصوص كثيرة على الترغيب فيه ، وعظم أجر من قام به .

والأمر كذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لما كان هاما جدا ، أكثرت الشريعة المطهرة من النصوص فيه ، كما سيأتي التدليل عليه عند الكلام على مشروعيته ؛ لأن النفس داعية إلى الركود ، وعدم الإحراج بذكر مواطن خلل الغير ، ولِمَا يجره عليها من ضرر جراء القيام به ، لذا جاء في نصيحة لقمان لابنه : (( وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك )) فتأمل قوله : ( واصبر على ما أصابك ) يتبين لك أن الأمر والنهي لا بد من تضمن ضرر لاحق للآمر أو الناهي ، فاقتضى الأمر الصبر والتحمل ، ولما كان الموضوع دقيقا ، كان لا بد من توطئة للموضوع بيانها في المحاور التالية :

المحور الأول : من مقتضيات البشرية الخطأ .

عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ))

فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قرر في هذا النص حقيقة ، وهي أن الإنسان لابد أن يخطئ ويذنب ، والذنب من المعصية ، والمعصية مما نهي الله عنه ، وما نهى الله عنه فهو من المنكر ، ولم يستثن من هذه الحقيقة أي آدمي ، فآدم عصى ، والذنوب الصغائر مما جوز على الأنبياء وتجويزه لا ينافي العصمة ، فالعصمة تكون بحيث إذا أخطأ جاء الوحي بتسديد الخلل ، كما وقع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم حين اتخذ أسرى ، فجاء التسديد في قوله (( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض )) ، وصلاته على المنافقين قال تعالى : (( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا )) ونحوها

بل قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ))

لان من مقتضيات كونه سبحانه غفارا أن يذنب العباد ، ومظاهر العبودية مع التقصير تظهر على العبد بوضوح ، ويكسوا الذنب العبد ذلا وانكسارا ، ويُذهب عنه رداء الخيلاء والعجب .

والخطأ إذا وقع من عموم أفراد الأمة على كثرتها ، لا بد أن يحدث ذلك بمجموعها إثما وخطأ كبيرا ، لأن الخلق على ثلاثة أحوال :

من خيره أكثر من شره .

من شره يغلب على خيره .

من يستوي لدية الخير والشر .

وليس مطلوبا منا إلغاء الشر بالكلية ، ولكن المطلوب هو أن يكون صواب الأمة وطاعتها أكثر من خطئها ومعصيتها ، وهذا ما يجرنا إلى المحور الثاني .

المحور الثاني : العبرة بالأكثرية في المنكرات .

ورد في الحديث الصحيح : (( أن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : (أنهلك وفينا الصالحون ؟ ) قال : (( نعم إذا كثر الخبث )) والخيرية التي كانت لهذه الأمة ، إنما كانت حين غلب خيرها على شرها ، ونفي الشر بالكلية من المحال ، كما أن جعل الأمة كلها خير بلا استثناء من المحال ، والعبرة بالأكثرية في الأمور ، والمطلوب كثرة الخير على الشر ، لكي نتجنب الهلاك المنصوص عليه ، وكل خلل يحتاج إلى علاج ، ولو أراد حاكم أو خليفة أن يُكَوِّن جهازا لمراقبة الأفراد ، لاستهلك من أموال الأمة الشيء الكثير ، ولصعب عليه درك ومعالجة الأخطاء الشخصية المتعلقة بالأفراد ، والتي بدورها تؤثر على حيوية الفرد المسلم في المجتمع ، وقد سلك المنهج الإسلامي في تغيير المنكرات طرائق عديدة ، مما أدى إلى انحصار الخلل في زاوية ضيقة ، فظهر في فترة الخلافة الراشدة وخاصة فترة الصديق والفاروق قلة الشكاوى والتظلمات لغلبة العدل ، وتحري الخلق مرضاة الرب ، ولذا لم تعرض على الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في فترة توليه القضاء في عصر أبي بكر إلا حوالي قضية أو قضيتان في العام ، ولذا هم بالاعتزال من هذا المنصب .

المحور الثالث : مقاصد الشريعة في تغيير المنكر .

لقد شكل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدولة المسلمة ، جهاز رقابة ومحاسبة بين أفراد الأمة ، ولذا جعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصلا من أصول الدين ، وجاء بصيغة الحصر والقصر للدين على النصيحة ،وقال (( الدين النصيحة )) وذلك على جهة المبالغة لبيان الأهمية ، وما النصيحة إلا كشف لمواطن الخلل الكامن في أفراد المجتمع ، بما يحقق السير على الصراط المستقيم ، والمنهج القويم ، ولذا اشترط لها الشرع الحكيم آدابا وشروطاً، الهدف من هذه الشروط ، مراعاة الجوانب النفسية للمنصوح ، بما يهيئ إمكانية القبول لدية ، بلا تضخيم للأمر بجعله ظاهرة اجتماعية ، مع أنها في الحقيقة خلل فردي ، ولذا قصدت الشريعة المطهرة في النهي عن المنكر أمور :

إزالة الخلل الحادث في الأمة ، سواء على مستوى الدولة أو الأسرة أو المجتمع ، ولذا حددت المسؤولية الشرعية لتسهيل حصر الخلل ، فجاء في الحديث : (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤوله عن رعيتها ))

فإن لم يتمكن من الإزالة فالتخفيف منه ، وترجيح جانب المعروف عليه .

الستر عليه وعدم جعله ظاهرة ، مع المعالجة الهادئة عن طريق النصح .

إناطة الأمر والنهي بكل فرد من أفراد الأمة .

المحور الرابع : تغيير المنكر ضرورة دينية وحياتية .

تغيير المنكرات من أعظم الغايات ، فبها تقل الشرور ، وبتغييرها يترجح جانب الخيرية في الأمة على الشر فيها ، ولذا كان الأمر بالخير والنهي عن الشر ، من أجلى مميزات هذه الأمة ، ومن أعظم الواجبات في الشريعة المطهرة ، ومع كونها واجبا دينيا فهي كذلك ضرورية لاستمرار الحياة في المجتمعات الإنسانية ، ومما يدل على ذلك حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها ، وبعضهم أسفلها ، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن تركوهم ، وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن يأخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا)) وفي رواية لأحمد بلفظ (( والمداهن في حدود الله ))

وفي رواية له أيضا بلفظ (( وكان لبعضهم أسفلها وهو أوعرها وشرها ))

وفي رواية للترمذي وأحمد (( فقال الذين في أعلاها : لا ندعكم تصعدون فتؤذونا ))

وفي رواية للبخاري (( فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا : مالك ؟

فقال : تأذيتم بي ولا بد لي من الماء ))

وفي رواية لأحمد (( إنما يخرق في نصيبه ))

فوائد من الحديث :

1.
الحديث ضرب من التشبيه التمثيلي : الذي هو تشبيه صورة بصورة ، فشبه الإسلام بسفينة ، وأعلاها وأسفها بالطبقات الاجتماعية في المجتمع ، والسهم بينهم قدر الله في الأفراد .

2.
إن ترك الشخص في المعاصي بلا إنكار ، مآله ضرر لاحق بك .

3.
إن حرية الإنسان تنتهي عند تضرر الآخرين بها ؛ لأن الضرر لا يدفع بضرر مثله .

4.
ينبغي أن يعلم الراكب في السفينة ، أن من حوله أخطاراَ محدقة ، وأهوالا موبقة ، وأنه لا بد من الأخذ على يد الظالم لاستمرار الحياة .

إن الأمر بالمعروف أساس بقاء المجتمع المسلم ، وإن التساهل فيه ، وانطواء الفرد حول نفسه فقط ، سبب لهلاك الإسلام والمسلمين المشبه بالسفينة كما في الحديث يؤيد هذا حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ))

5. 
إن الناس في الأحداث والأمور العظام ينظرون بثلاثة أنظار :

أناس ذونظر قاصر مهلك مغفل ولو حسنت نيته .

وأناس يعرفون الخطأ ولكنهم بحجة واهية ، كالحرية أو الملكية كما في الحديث يستدلون ويعتمدون ، وذلك لأن فيه من مصلحة عاجلة لهم ، ولو كان رأيهم سبب لهلاكهم مع غيرهم .

وأناس ذو عقل راجح ينظرون إلى مآلات الأمور ، وهم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكرfiogf49gjkf0dder-alt: none windowtext 0cm"> .

مشروعية تغيير المنكر

مما مضى يظهر للناظر مدى اعتناء الشريعة الإسلامية بتغيير المنكر ، وما نظام الحسبة ، والأقضية في الشريعة ، إلا لدرء الخلل وإخماده في بداية ظهوره ، ومن أهداف تنصيب الحاكم في الشرع ، أخذ حق الضعيف من القوي ، وإنصاف المظلوم ، ونصرة المهضوم ، يشهد لهذا مقولة أبي بكر الصديق ( القوي منكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه ، والضعيف عندي قوي حتى آخذ الحق له ).

وقد وردت نصوص كثيرة دالة على مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبيانها فيما يلي :

أ ـ الأدلة من الكتاب :

قال تعالى (( ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )) ، والآية فيها الأمر بإيجاد أمة آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر ، والأمر يقتضي الوجوب ، وسواء كان الوجوب عينيا أم كفائيا ، فإنه لا يوجد العدد الكافي اليوم للقيام بهذا الواجب ، والواجب الكفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، فإن لم يقم به البعض أثم الجميع ، فالأمة كلها اليوم مخاطبة بهذا الأمر حتى يوجد من يقوم بهذا الواجب ، فلا ثمرة تنزيلية اليوم في الخلاف هل الأمر كفائي أم عيني ؟

ورتب المولى جل وعلا اللعن على أمة لم تقم بواجب الإنكار ، قال تعالى (( لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا كانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يصنعون )) وحكاية اللعن أنه لبني إسرائيل مع أنه حكاية أمر واقع ، إلا أن فيه تعريضا لأبناء الأمة الإسلامية بحكايته في كتابها ، أن ينالها ما نالهم إن لم يقوموا بواجب الإنكار .

لأن المنكر إن لم يترصد له كل أبناء الإسلام ، وينزعوا نبتة السوء من أول نشوءها فيكاد أن تستفحل فيَعِيَهم أمرها ، ويعمهم ضررها ، قال تعالى (( واتقوا فتنة لا تصيبن الذي ظلموا منكم خاصة )) والسكوت عن المنكرات فتنة عظيمة بالأمة ، إن لم ينتبه لها ، ويقم بها كل أفراد الأمة عمهم ضررها ، ونال كل أفرادهم أذاها قال ابن عباس مفسرا لهذه الآية : " أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم الله بالعذاب"

والمنكرات أنواع : منها ما يستطيع الفرد أن يقوم بإزالته ، ومنها ما لا بد له من أمة وجماعة تقوم به ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فالجماعة واجبة ، والتعاون على إزالة المنكر من أعظم القرب ، ولذا أمر المولى عز وجل بالتعاون فقال (( وتعاونوا على البر والتقوى )) ، ولا يمتري ذو عقل ، أن إزالة المنكر برٌ وتقوى ، والأمر يقتضي الوجوب .

ب ـ الأدلة من السنة .

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل شرعي ، تفرع منه مشروعية الجهاد باليد ، وباللسان ، والقيام به إيمان ، فعن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ، ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ))

ألا ترى أخي القارئ الكريم أنه جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهادا ، وإيمانا ، وأيُّما مسلم ظن أنه يمتلك إيمانا ، وهو يرى المنكرات ولا ينكرها ولو بقلبه ، فليعلم أنه واهم ، وأنه لقوله  (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )) مكذب ، وإن لم يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، يوشك أن يعم الله الناس بعذاب قال صلى الله عليه وآله وسلم (( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكرأو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا منه ، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ))

أخي الحبيب : تأمل في الحديث وذلك في قوله (( ثم تدعونه فلا يستجاب لكم )) يظهر لك أن العذاب ليس خسفا ، أو هلاكا عاما ، وإنما فتنة وبلاءا ويذيق بعضنا بأس بعض ويلبسنا شيعا ، وتتداعى الأمم علينا ، فإذا ما لجأنا إلى الله ، وجأرنا بالدعاء لا نجد إجابة ، وفيها لفتة لطيفة وذلك فيما إذا أردنا أن يستجيب المولى لدعائنا فعلينا أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر .

ومن خصوصية هذه الأمة أنها أمة آمرة بالمعروف ، وناهية عن المنكر ، فإذا رأيت أفرادها ذهبت عنهم هذه الخاصية فاعلم أنهم ليسوا على منهجها وطريقها ، قال صلى الله عليه وآله وسلم (( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويوقر كبيرنا ، ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر ))

وهذه الأمة إذا وصل من أمرها أنها تهاب الظالم ، وتخشى بجملتها أن تنصحه وتمنعه عن الظلم فقد تودع منها قال صلى الله عليه وآله وسلم (( إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها ))

ألا تعلم أن الأمر والمعروف والنهي عن المنكر صلاة ، نعم هو صلاة ، قال صلى الله عليه وآله وسلم  ( ... وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صلاة ... ))

وهو كذلك صدقة قال صلى الله عليه وآله وسلم (( ... وأمرك بالمعروف صدقة ، ونهيك عن المنكر صدقة .. ))

وجعل الإسلام قائل الحق ، الذي بذل نفسه لأجله في أعلى مراتب الشهادة ، بل من ذوي السيادة في الشهادة قال صلى الله عليه وآله وسلم (( سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام إلى إمام ظالم فأمره ونهاه فقتله ))

المنكر وشروطه

المنكر اسم مفعول من أنكر الرباعي ، أي ما جهل فلم يعرف ، وفي الاصطلاح ( كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه أو تتوقف في استقباحه واستحسانه العقول فتحكم الشريعة بقبحه)

فكل ما نهى عنه الشرع وكرهه ، ولم يرض به ونهى عنه فإنه من المنكر

شروط المنكر :

وقد اشترط العلماء في المنكر الذي يجب إنكاره على القادر شروطا إذا التزمت حققت مقاصد الشرع من الإنكار ، فإذا ما تجوهلت فقد تعود على أصلها بالنقض ، وتظهر للعاقل بصورة مشوهه تغريه بإنكار ما هو حق ، لما داخلها ما ليس منها ، وبيانها كما يلي :

الشرط الأول :fiogf49gjkf0d','sans-serif'"> أن يكون منكرا متفقا على أنه منكر ، فإذا ما وقع خلاف بين العلماء في أمر ، فلا يدخل تحت مسمى الإنكار ، ولذا أصل العلماء قاعدة متفقا عليه في الخلاف وهي أنه : ( لا إنكار في مختلف فيه خلافا سائغا ) ، وقد وضع العلماء ضوابط للخلاف السائغ ، وهو في الجملة : ( كل رأي ذهب إليه إمام معتبر ، ولم يوصم عند العلماء بالشذوذ ، وذكر عند الخلاف ، ولم يجوز نقضه في الأحكام )

وقد لا يكون منكرا في ذاته ، ولكنه مفض غالبا إليه ، فإن له حكمه ، لأن الوسائل تأخذ حكم المقاصد في الشريعة الإسلامية ، وهذا الأمر وهو فقه المآلات ، وأحكام الوسائل ، يحتاج إلى نظر ثاقب ، وذي اجتهاد راسخ ، وتجربة في الحياة كافية ، ينظر في مآلات الأحكام ، حسب قواعد فقه الواقع المنظور المدرك ، وضوابط الاجتهاد التنزيلي ، والنظر المقاصدي ، بما يحقق مراد النص الشرعي ، ويحقق المصلحة الراجحة .

والأمر إذا لم تتوفر فيه ما ذكرنا في هذا الشرط ، فإنه لا يسمى منكرا ، ولا يدخل تحت مسمى اللفظ ( منكرا ) الثابت في النص ، ( من رأى منكم منكرا ) ، كما أنه لا إنكار في مسائل الرخص الشرعية الثابتة .

الشرط الثاني : أن يكون المنكر موجودا متيقنا ، وهذا يدل عليه لفظ ( رأى ) والرؤية من المشاهدات ، التي تفيد القطع عقلا وشرعا ، فإن كثيرا من الناس إما لجهله ، أو قلة علمه أو عجبه بنفسه ، قد يجعل الدعاية حقيقة ، ومن التوهم ظنا غالبا ، لأنه وافق هواه ، فلم يتحر الحقيقة فيه ، فكم من أمور سمعناها ، وللأسف قد يكون الناقل ثقة ، فإذا ما تحرينا الأمر ، وجدنا أنه لم يكذب ، ولكنه روى بفهمه فأخطأ ، ولأجل هذا أدركنا مغزى قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( رحم الله امرئ سمع منا مقالة فوعاها فأدها كما سمعها ) تأمل قوله (( فأداها كما سمعها ) ، ومن لم يتحر المعنى بدقة ، وينقل من المصدر مباشرة ، فالغالب أنه يخطئ في نقلة ، فيخطئ في أحكامه ، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره ، ولذا عد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناقل بلا تثبت كاذبا فقال (( كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ))

الشرط الثالث : أن يكون المنكر ظاهرا ، وهذا يستفاد من قوله ( رأى ) في الحديث ، فإن المرئي لا شك أنه ظاهر ، أما إن كان خفيا ، فالأصل الستر في الشريعة الإسلامية ، ولذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (( ومن ستر مسلما ستره الله )) ، وقال (( من ابتلى بمثل هذه القاذورات فليستتر بستر الله )) ، لأن عموم الأمة لا بد أفرادها أن يخطئوا ، ولو رصدت لظهر أن المنكر فاشيا ، وليس الأمر كذلك ؛ لأن ميزان الحق سبحانه ، في وزن أعمال الخلق قوله تعالى (( فمن ثقلت موازينه ..... و من خفت موازينه )) فلنزن بميزان الله الحكم العدل ، وترتب على هذا الشرط حرمة التجسس ، وتتبع عورات المسلمين ، وورد التهديد بتتبع عورته حتى يفضحه في جوف بيته .

شروط المُنكِر( المغيِّر )

القائم بالإنكار ، لا شك أن هدفه من الإنكار التغيير لهذا المنكر ، وقد دل الحديث : ( من رأى منكم منكرا فليغيره ) على ذلك ، وتغيير المنكر ، يهدف به إلى تغيير صورة الشيء دون ذاته ، أو تبديله ، ولا يستبدل شيء عن شيء إلا إذا كان استبدال مرغوب عنه بمرغوب به ، ويتضمن التغيير معنيين :

الأول : المنع منه إن شارف على الوقوع .

الثاني : إزالته إن كان موجودا قائما .

وقد اشترط العلماء في المغير شروطا بيانها فيما يلي :

الشرط الأول : أن يكون مكلفا ، وهذا يستفاد من توجيه خطاب التكليف بالأمر بالتغيير ، ولا شك أن الأمر لا يتوجه إلا إلى مكلف ، ولأن التغيير للمنكر حكمه الوجوب ، والوجوب لا يتوجه إلى مجنون أو صبي ، لعدم أهلية الفهم أو قصوره فيهما .

الشرط الثاني : أن يكون مسلما ، وهذا يستفاد من قوله في الحديث ( منكم ) في قوله : (( من رأى منكم ) ، ولأن وجوب التزام الأمر فرع الإيمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولأن الكافر لا يتصور منه أن ينكر مخالفة شريعة لا يؤمن بها ، ولا يشترط الذكورة لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( من رأى ... ) ، و( من ) اسم شرط جازم ، من صيغ العموم عند الأصوليين للمذكر والمؤنث ، وكذلك لا يشترط العدالة ، بل يجب الإنكار على الفاسق ، إذا كان من غير المنكر الذي هو مرتكبه أو هو فيه ولا يعلم باعتباره من جنسه .

الشرط الثالث : أن يكون عالما بأنه منكر ، لأن رؤية المنكر ، وإدراكه لا تكون إلا من عارف به ، ولا يشترط العلم الشرعي الواسع للإنكار ، بل يكفي أن يعلم أن هذا منكر فقط ، إما لكونها معلوما من الدين ، أو تقليده لعالم متحر في إنكاره ، فسبب ضعف الأمة ، في فترة عصور الانحطاط ، والجمود والتعصب ، هو جعل علماء الإسلام هم المسئولون عن الدين ، الناطقون رسميا عنه ، وبسبب هذه المفهوم الخاطئ أقصيت أفراد الأمة عن حمل الرسالة ، والإنكار على المخالف لها ، والزائغ عنها ، والمتأمل في الحديث السابق (( ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله )) يلحظ أنه قال ( ورجل ) ولم يقل ( وعالم أو داعية أو خطيب ، أو فقيه ) ، وكذا ما يستفاد من العموم الدال عليه اسم الشرط في قوله ( من رأى ... ) أي : أن أي شخص من ذكر أو أنثى رأى ذلك المنكر فلينكره سواء كان عالما أو عاميا ، طالما عرف أن هذا منكر .

الشرط الرابع : أن يكون قادرا على التغيير ويستفاد ذلك من قوله : ( فمن لم يستطع ) ، لأن التكاليف الشرعية يناط نتزيلها على حسب القدرات البشرية ، ومن قواعد الشريعة المطهرة : لا تكليف إلا بمقدور ، ومن أصولها الكلية المشقة تجلب التيسير ، وهذا الحديث أحد أدلة القاعدة ، كما أن الحديث من أدلة فقه البدايل في الشريعة المطهرة .

ولا يشترط تحقق التغيير ، ولكن يغلب على الظن إمكانية التغيير إلى معروف أو منكر أقل على الأقل ، ولما كانت الاستطاعة غير منضبطة ، وآحادها تختلف باختلاف الصور ، أحال الشرع تقديرها إلى المكلف ، بحيث لا يترتب مشقة على المكلف بتقديرها أو ذكر صورة من صورها . 

وسائل تغيير المنكر

لقد سلكت الشريعة الإسلامية وسائل راقية ، في التعامل مع المنكرات الموجودة ، ولقد حصر الحديث التغيير في ثلاث حالات :

الحالة الأولى : التغيير باليد ، وهو الأصل ، ولا يعدل إلى التغيير بسواه إلا معه ما أمكن ، فإذا تحقق العجز ، جاز العدول إلى البدل الآخر ، إلى أن يصل إلى أدنى حالات الإنكار ، وهي الإنكار القلبي ، وفي التعبير النبوي بلاغة لطيفة ، فقد عبر بلفظة اليد في قوله : (( ..فليغيره بيده .. ) والمقصود الفعل ، ولما كانت اليد هي آله التغيير الفعلي عبر بها على جهة المجاز ، ولفظة ( بيده ) نكرة أضيفت إلى معرفة فأفادت العموم ، لكل تغيير فعلي ، ومن التغيير باليد في العصر الحاضر ، وضع الأصوات باليد في صناديق الانتخابات ، والدفاع عن الحقوق والحريات ، ومنع أيدي العابثين من تغيير إرادة الشعب ، والجهاد في سبيل الله بالسلاح ، والغالب في التغيير باليد أن تكون ممن له ولاية خاصة أوعامة ، و بها تحفظ الفروض الكفائية.

الحالة الثانية : التغيير باللسان ، وهو تبليغ من له القدرة على التغيير باليد ، ويكون ببيان أسباب الوقوع في المنكر وعواقبه ، والتغيير باليد لا يعد تغييرا فعليا ، إلا أن مآل الكلام باللسان القدرة على التغيير باليد ، فكان وسيلة إليه وسبب له ، فأقيم السبب مقام المسبب على جهة المجاز ، والعلاقة السببية ، وكل مسمى الدعوة والمجادلة بالتي هي أحسن ، تدخل تحت مسمى التغيير اللساني ، وعبر باللسان باعتبار الأغلب ، مع أن الكتابة الصحفية ، والملصقات ، ونحوها من وسائل الإعلام المعاصر تدخل تحت مسمى التغيير اللساني .

الحالة الثالثة : عند العجز عن التغيير باليد ثم باللسان يلجأ المكلف إلى التغيير القلبي ، وهو ليس تغييرا فعليا ، إلا أن أصل التربية ، تبدأ بالتغيير القلبي ، وهو إنكار هذا المنكر وتمنى زواله ، والدعاء برفعه ، فيكون مآله إلى التغيير باللسان ، فإذا توسع وانتشر الكلام أوجد إمكانية التغيير الفعلي باليد ، فكان التغيير القلبي وسيلة الوسيلة ، ووسيلة الوسيلة وسيلة ، فمن هذه الحيثية صح التعبير كونه تغييرا .

قواعد التغيير :

1
ـ ملاحظة القدرة .

2
ـ اعتبار التدرجية .

3
ـ الحسنى في الدعوة .

4
ـ المعرفة بضوابط المرحلة التغييرية .

5
ـ أن يكون مآل المنكر الإزالة أو الإبدال ، فإذا أدى المنكر إلى ما هو أنكر فإنكاره منكر يحتاج إلى إنكار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ينابيع تربوية

         أضف تعليق