المشرف العام
الداعية الصغير
الـصـبـر نـصـف الإيـمــان
 
تمت الإضافة بتاريخ : 04/07/2021م
الموافق : 25/11/1442 هـ

الـصـبـر نـصـف الإيـمــان

هاني عبدالله الجبير

الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، قال تعالى: {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، وقال: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2].

 

ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»[1].

 

وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه»[2].

 

فكل ما يجري في هذا الكون من تقدير الله تعالى، المكتوب عنده، لا مفر للإنسان منه، قال تعالى: {أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْـخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [العنكبوت: 19].

 

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»[3].

 

والإيمان بالقدر مرتبط بالإيمان بالله تعالى، والمعرفة بأسمائه وصفاته، لأنه مبنى على المعرفة بصفات الله تعالى من العلم والإرادة والقدرة والخلق، ولهذا لم يذكر في القرآن مع بقية الأركان، إذ تحقيق الإيمان بالله تعالى لا يتم إلا بتحقيقه.

 

والإيمان بالقدر هو المحك الحقيقي لمدى الإيمان بالله تعالى، وهو الاختبار الأقوى لإدراك مدى معرفة الإنسان بربه سبحانه.

 

والإيمان بالقدر لا ينافي فعل الأسباب، بل الأسباب التي يفعلها الإنسان ليصل لهدفه هي جزء من القدر، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن ترتبط النتائج بأسبابها، ولذا يقدم الإنسان على فعل الأسباب، والسعي لمقصوده بالطرق التي تمكنه وهو يعلم أن لسعيه هذا أثرًا في تحقيق مقصوده، لكنه مع ذلك يعلم أن كل شيء بقدر الله وقد يكتب له تحقيق مقصوده وقد لا يحصل له مراده، إذ السبب لا يؤثر بنفسه بل الأمر كله لله، فالدواء مثلًا سببٌ لحصول الشفاء لكن قد لا ينفع الدواء أحيانًا فالدواء ليس هو الشافي بنفسه بل الشافي هو الله، وإنما الدواء وسيلة فقط، والمقصد من تحقيق هذا الاعتقاد أن يبقى قلب العبد متعلقًا بالله سبحانه، مع سعيه بالطرق الممكنة للوصول لمراده.

 

وهذا الأصل العظيم من أصول العقيدة الإسلامية له أثر كبير في سكون النفس، والخلاص من المعاناة وطمأنة خاطر من أصيب بمصيبة، أو أحاطت به الكروب، ورفع معنوياته، وهذا ما سيظهر في الوقفات التالية:

 

أولًا: كل ما في الكون من قدر الله تعالى:

 

الله عز وجل حكيم رحيم بخلقه، وأفعاله سبحانه ليس فيها شر، ولذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك»[4]. وما يقع في الدنيا مما يكون ظاهره الشر والمكروه كالأمراض مثلًا فهذا ليس شرًّا محضًا، بل تقديره يؤدي لمصالح عظيمة للعباد، وتأمل شُرب المريض للدواء الكريه، هو مصيبة باعتبار كونه كريه الطعم لكنه نعمة باعتبار إزالته للمرض الذي هو أشد ضررًا منه، وبذا يكون الدواء نعمة ورحمة وإن كان تجرعه صعبًا، لما فيه من مرارة.

 

والله تعالى أعلم بمصلحة العبد، وهو سبحانه الجواد الكريم، وهو الرحيم بعباده، فاستبصر ما وراء البلاء من النعم، وما فيه من رحمات، فإن الله لم يصبك ببلاء إلا رحمة منه بك. ولذا قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْـخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35]، وقال: {وَبَلَوْنَاهُم بِالْـحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168].

 

ومن يتأمل الحكم والمصالح العظيمة للمصائب التي تقع على الإنسان، يوقن بذلك بلا شك، ومن هذه الحِكم:

 

استخراج عبودية الصبر والرضا:

 

 ولا شك أن الإنسان لا ينال درجة الصبر ولا مرتبة الرضا حتى يصاب بمصيبة قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ 155 الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ 156 أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157]، ويقول سبحانه: {وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [آل عمران: 186].

 

والمبتلى يمكنه أن ينال درجة الصبر، فقد أصيب بمصيبة وبقي منه الصبر عليها، أما من لم يصب بمصيبة فكيف يتأتى منه الصبر. عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»[5].

 

تكفير الذنوب والسيئات عن الإنسان:

 

 فالمرض وسائر المصائب تغسل الإنسان من ذنوبه وتكفرها عنه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه كما تحات ورق الشجر»[6].

 

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد به الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة»[7].

 

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه»[8].

 

رفع درجات الإنسان:

 

فإن المصائب والأمراض كما تكفر سيئات الإنسان، فإنها ترفع درجته فتكون في ميزانه كالعمل الصالح وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمله فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلّغه إياها»[9].

 

دخول الجنة:

 

وهذا أعظم مطلب للإنسان، وقد جعل الله ثواب الإصابة ببعض الأمراض دخول الجنة، ففي الحديث القدسي: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه [أي عيناه] فصبر فله الجنة»[10].

 

وقد جاءت امرأة سوداء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع فادع الله لي، فقال: إن شئتِ دعوت وإن شئت صبرتِ ولك الجنة، قالت: بل أصبر، فإني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها[11].

 

وللابتلاء بالمصائب فوائد وحكم أخرى تتعلق بسلوك الإنسان، فإن المبتلى يشعر بعجزه وضعفه، فيلتجئ إلى خالقه ويتضرّع إليه فينال عبادة خالية من الرياء، خالصة لله، كما أنه يجعله يستشعر نعمة الله تعالى عليه في الصحة التي يتقلب فيها، فيشكر الله على نعمه السابقة واللاحقة، وهو بلا شك سبب يورث الإنسان استشعارًا لعبودية الشكر إذ تحركت لديه مشاعر الإحساس بلذة زوال المرض.

 

كما أنه يوقظ الغافل من غفلته، ويذكره بالتوبة والتحلل من المظالم فهو فرصة للإنسان ليتدارك ما مضى فإن عوفي من بلائه كانت محطة من محطات التزود للآخرة، وإن توفي أقبل على الله وقد تدارك ما فرط فيه، ولذا فإن موت الفجأة في المقابل يفوت على الإنسان هذه الفرصة، ولذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «موت الفجأة حسرة على الفاجر»[12]، لأنه لا يحوز فرصة للتوبة والإنابة.

 

يقول ابن القيم: «لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلًا وآجلًا، فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء، وحفظًا لصحة عبوديته، واستفراغًا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة منه، فسبحان من يرحم ببلائه ويبتلي بنعمائه»[13].

 

ولذلك كله فالمرض ينظر إليه الموقن فيدرك أنه في الحقيقة نعمة من الله تعالى، وهذا يتضح فيما يلي:

 

ثانيًا: المصائب لا تدل على معصية العبد:

 

فالأمراض وسائر المصائب مع كونها كفارة للعبد عما اقترفه، فإنها لا تدل على أن المصاب بها عاصٍ مستحق للمرض بمعصيته، بل لما في الإصابة بالمصائب والأمراض من الحكم فإن العبد يبتلى على قدر إيمانه، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط»[14].

 

وسأل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أشد بلاء: قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، فما يزال البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة»[15].

 

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوعك وعكا شديدًا، وتشتد عليه الحمى حتى توجد حرارتها من فوق اللحاف، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت أحدًا أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم»[16].

 

ولا يخفى ما أصاب نبي الله أيوب عليه السلام من مرضه الذي استمر معه ثماني عشرة سنة، حتى سمي: نبي الله المبتلى[17].

 

ثالثًا: من رحمة الله تعالى بالمرضى أن رفع الحرج عنهم في التكاليف العملية:

 

فخفف عنهم في الطهارة وصفة الصلاة وأباح لهم فطر رمضان، وكذلك رحمهم في تكاليفه المعنوية، ولذا أمر بزيارة المرضى، وأعظم أجر المرضى، ولم يؤاخذهم على ما يصدر منهم حال مرضهم لضعفهم.

 

وزيادة على ذلك فقد كتب الله تعالى للمرضى أعمالهم الصالحة التي كانوا يقومون بها في حال صحتهم وسلامتهم، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا»[18].

 

وترخص المريض بفعله لما هو الأرفق بحاله، أو بما يعجل له البرء هو الأفضل في حقه، فإن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته[19].

 

وليس رضا الله في تعذيب الإنسان لنفسه وحملها على الأعمال الشاقة عليه، بل أجر الإنسان على قدر منفعة العمل ومصلحته وفائدته، وعلى قدر ما يحصل في قلبه من الخشوع حال العمل.

 

رابعًا: الأسباب المعينة على الصبر:

 

صبر الإنسان على ما يصيبه واجب عليه، ويكون بعدم إظهار الجزع أو التسخط لا بالقول ولا بالفعل.

 

قال ابن القيم: الصبر واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر، فمن لزم الصبر لم يتسخط على القدر ولم يعترض عليه، وإن كان متألمًا في نفسه[20].

 

ولذا فإن المؤمن لا يتمنى الموت إذا أصابته المصائب، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا فليقل: اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي»[21].

 

ومما يستحب للمبتلى ولا يجب عليه أن يرضى عن الله، وهذه درجة عالية من درجات اليقين، أما الشكوى - من المصيبة بالمرض أو غيره - لله سبحانه وتعالى فإنها لا تنافي الصبر، بل تعين عليه، وهي خير متنفس للعبد في بلائه، ويعقوب وهو الصابر الصبر الجميل قال: {قَالَ إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]، وإذا أخبر المريض عن مرضه - لا على سبيل الشكوى - وإنما لبيان حاله سواء للطبيب الذي يعالجه، أو لمحب له ليدعو له أو يطيب خاطره فذلك كله لا حرج فيه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأوعك كما يوعك الرجلان منكم»[22].

    أضف تعليق