المشرف العام
مقالات
وأنت بين أحضان الطبيعة…
 
تمت الإضافة بتاريخ : 10/06/2021م
الموافق : 1/11/1442 هـ

وأنت بين أحضان الطبيعة…

سعيدة كنافي

سخت السماء وجادت بالعطايا استجابة لأمر الإله جل شأنه، فنزل غيث لم نر مثله مذ زمن بعيد ثم أخرجت الأراضي بركاتها فأضحت بساطا نسيجه عشب أخضر مرصع بالزهور والورود الملونة، وقد صدق جل شأنه حين قال :” أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها، أإله مع الله بل هم قوم يعدلون”،الآية 60_ النمل.

حقا إنها حدائق ذات بهجة، بمياهها الجارية وأشجارها الشامخة العالية، وصخورها الهادئة الخاشعة المتضرعة و…تلك لوحة الطبيعة مبدعها بديع السماوات والأرض، حقا تلك هديته تعالى لعباده.

إنها الطبيعة التي تدعوك في هذا الموسم الربيعي لزيارتها فاتحة في وجهك أحضانها، فتستقبلك الأشجار بالعناق والظل الظليل معبرة لك عن فرط الحنين، ويحمر النعمان من رؤيتك استحياء وتكلمك بقية الأصناف التي لا حصر لها بعباراتها الخجلى، ويغازل مسامعك خرير المياه وحفيف أوراق الأشجار وتغريد العصافير…فتعيش لحظات ناطقة بعبارات الرونق والروعة فما تملك إلا أن تبعث من قرار داخلك: ” سبحان الخلاق الأعظم”.

لست وحدك، بل يعيشها كل زائر، لحظات جميلة يخلد صداها بين أعمدة ذكرياته وإن برح المكان، فلا ينسى أبدا كيف رافق أسرته ذاك اليوم،و كيف جالس زوجه واسترجع الذكريات، ووثق رباط المحبة ونفض غبار الاختلاف.

لن ينسى أبدا كيف لاعب أبناءه، وكيف أخذهم مع من تعرفوا عليهم من أصدقاء يتأملون ويستطلعون، يفرحون ويمرحون، وكيف وضح لهم أهمية النبات والشجر فهو الروح النابضة للحياة، التي تمتص مخلفات الإنسان والحيوان، ودخان المصانع كي تطرح الأوكسجين وخاصة نهارا، كما تمتص الضوضاء وتخلق الهدوء بالمكان، تلطف الجو، وأشياء عديدة لا حصر لها كل ذلك سخره الله تعالى لخدمة الإنسان وتحقيقا لراحته على الأرض، فلا يملكون إلا أن يشاركوه في التسبيح وشكر النعمة.

لن ينسى أبدا كيف وبخ ابنه عندما قطف وردة وداس النبات برجليه، مذكرا إياه أن ذلك أنانية منه وحبا منه في تملك هدايا وهبها الله تعالى للجميع ليمتع بصره برؤيتها فلا يحق له إفساد جماليتها وحرمانها من الحياة، ففي ذلك ضرر لصحته وصحة غيره، فقتله النبات تهديد لتنفسه بتقليل نسبة الأكسجين الذي يحتاجه للاستمرار بالحياة.

تذكر دائما لعبة التنظيف التي أشرك فيها كل محب للنظافة، بعد تذكيره الجميع أن المؤمن لا يترك أثره خاصة إذا كان مؤذيا قائلا :” وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ” القصص_73، كان مشهدا يحمل في طياته معالم حب المسلمين للنظافة وهم يحملون وأبناءهم أكياس يرمون بها القشور والقنينات وكل ما يمكن أن ينشر الأوساخ بالغابة، وهم يرددون الأغاني التي تحفز الجميع على المشاركة في جو من التنافس والمسابقة وإماطة الأذى فبدون شك الكل يبدي الرغبة في زيارة المكان مرات أخرى متكررة ولن يحب أحدهم أن يجده فاسدا بأي شيء ترفضه العين، أو يكرهه الأنف أو تتقزز له النفس. لا يمكن أن ينسى كيف تعرف إلى أناس جدد ابتسم في وجوههم وأسمعهم الكلام الطيب وتعرف إليهم فنال صدقات الابتسام والتعارف والكلام الطيب.

وأنا وأنت والآخر والآخرون والجميع في كل مكان بدون شك الطبيعة تنادينا وتفتح أحضانها في وجوهنا فطبعا لن نتوانى في تلبية الدعوة، ترويحا عن أنفسنا وإفادة لصحتنا، وتوثيقا لروابط الوداد مع أسرنا وعائلاتنا، واكتسابا لمعارف جدد. على ألا ننسى أن الأمر متعلق بعطية ربانية ونحن مدعوون بل مجبرون على حمايتها ورعايتها فنكون ممن قبل الهدية بفرح واستبشار ونفع وشكر النعمة. كما لا يجب أن ننسى أن نعود أبناءنا على حب البيئة والطبيعة، نعلمهم كيف يتعهدون النبات ويحمونه من كل ما يمكن أن يشل قوته،

لننشئ جيلا واعيا بأهمية صحته، عارفا كيف يتجنب إذايتها بغير علم وإذاية صحة الآخرين،جيل يدرك قيمة المساحات الخضراء ويوليها عناية خاصة لأنها الروح النابضة للحياة.

         أضف تعليق