المشرف العام
مقالات
أنت كنز… فلا تهن نفسك!
 
تمت الإضافة بتاريخ : 09/06/2021م
الموافق : 29/10/1442 هـ

أنت كنز… فلا تهن نفسك!

لطيفة علوش

إن المتأمل في حال الإنسان ليقف مشدوها إلى مدى العناية والتكريم الذي أولاه له الحق سبحانه وتعالى؛ بدءا بالنفخ العلوي، ثم السجود الملائكي، ثم التسخير الكلي للكون، إلى مقام الاستخلاف في الأرض.

مكارم ومميزات ما جاد بها المولى الكريم على أحد من خلقه كما تكرم وجاد بها على عباده، فهو سبحانه ما أوجد الكون وما فيه من بديع الصنع والإتقان إلا لخدمة الإنسان، وما خلق خلقا في أحسن تقويم كما خلقه، بل فضله على سائر خلقه بالعقل والإدراك، وأغدق عليه نعمه الظاهرة والباطنة. قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (الإسراء: 70).

ترى لمَ كل هذه العناية وهذا التكريم؟ أيجدر بمن اصطفاه الله على سائر مخلوقاته أن يسخر كل هذه النعم ليعيش حياة الدوابية ولا يخرج عن دائرة الأكل والشرب والتناسل؟ أيليق بمن يحمل روحا من نفخ المولى الكريم أن يرضى بالانغماس في أوحال المادة المعيقة، ولا يتطلع إلى نفحات العالم الملائكي؟ قال سيدنا علي كرم الله وجهه: «ركب الملك من عقل بلا شهوة، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما، فإذا سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله، أصبح دون الحيوان» (1).

الانعتاق من شهوات الدنيا وملذاتها وطلب السمو والكمال مما يحقق للإنسان قيمته الحقيقية، ويجعله يكتشف معنى وجوده، ويدرك أنه جوهرة ثمينة استخلفه الله تعالى في أرضه ليعرف ربه حقا، ويحبه اعترافا بفضله عليه وشكرا، فيعبده خضوعا وامتثالا، ويقيم شرعه على الأرض تحريرا للإنسانية وإسعادا…

الجواد الكريم يتودد إلينا بنعمه الظاهرة والباطنة، ويظهر في كونه صفات جماله وجلاله، عسانا نستيقظ من سباتنا ونتنبه من غفلاتنا فتنفتح بصيرتنا وتسمع أسماعنا وتعي عقولنا الغاية الحقيقية التي أوجدنا الله من أجلها، فنشمر على سواعد الجد، ونقرع باب من يدلنا على الله، قال تعالى: الرَّحْمَ?نُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (الفرقان: 59). ونصبر أنفسنا مع الذين يذكرون الله بالغداة والعشي، قال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ? وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (الكهف، 28). ثم نتودد للمولى الكريم وندعوه رغبة ورهبة أن يدخلنا في زمرة الصادقين، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (التوبة: 119).

شروط ثلاثة سطرها الإمام رحمه الله وسنها سنة حسنة لمن أراد حقا أن يتحرر من عبادة الأهواء، ويخرج من الحيوانية والدونية، ويتخلص من المادة التي هجمت علينا في السنوات الأخيرة هجمة شرسة فاستعبدت الناس وأهانتهم إلا من رحم ربي، قال تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَ?هَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ? إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ? بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (الفرقان، 43-44). بل إنها عطلت سمعهم وأبصارهم، قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ? لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ? أُولَ?ئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (الأعراف، 179).

رحم الله الإمام المجدد الذي أنار للناس طريق الهداية، وترك الصحبة في جماعة مؤمنة أفنى عمره كله في تأسيسها، وتركها محجة لاحبة لمن أراد أن يتوب ويؤوب إلى مولاه ويرتقي في سلم الدين من إسلام إلى إيمان إلى إحسان. يقول رحمة الله عليه: «إنها رحلة مجيدة تلك التي ترتفع بالإرادة الإيمانية درجة درجة من الريبة في الدنيا وزهرتها، إلى الزهد في حرامها وشبهاتها، إلى التعلق بالآخرة، إلى إرادة وجه الله. رحلة مجيدة وجد إليها الصحابة رضي الله عنهم الرائد الرفيق المعلم في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم. وبحث التابعون فوجدوا في الصحابة الدليل والصاحب ووجد كل جيل صالح في من قبله أدلاء على الخير معهم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم «المرء على دين خليله» (2).

نسأل الله تعالى أن يديم علينا نعمه ويفتح مغاليق قلوبنا وأسماعنا لنفهم عنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، آمين والحمد لله رب العالمين.

_________________

(1) عزاها المطهر بن طاهر المقدسي في كتابه البدء والتاريخ إلى كعب، وعزاها شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى إلى أبي بكر عبد العزيز، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ.

(2) عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج 1، ص 304.

         أضف تعليق