المشرف العام
قدوات
صبره صلى الله عليه وسلم
 
                                                           
تمت الإضافة بتاريخ : 24/05/2021م
الموافق : 13/10/1442 هـ

صبره صلى الله عليه وسلم

طيبة إدريسي القيطوني

من صحيح دعاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت”.

فقد كان صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وأتقاهم وأنقاهم، وأشدهم ابتلاء، فعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: “يا رسولَ اللهِ! أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ قال: الأنبياءُ، ثم الصالحون، ثم الأمثلُ فالأمثلُ، يُبتلى الرجلُ على حسبِ دِينِه، فإن كان في دِينِه صلابةٌ، زِيدَ في بلائِه، وإن كان في دِينِه رِقَّةٌ، خُفِّفَ عنه. ولا يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ حتى يمشي على الأرضِ وليس عليه خطيئة” (1)، فلم ير صلى الله عليه وسلم إلا صابرا راضيا بقضاء الله تعالى وقدره.

الصبر خلق عظيم يشق على النفس البشرية، وهو لغة حبس النفس عن الجزع، واصطلاحا حبس النفس عن إتيان المحارم، وحثها على أداء الفرائض، وحبسها عن التشكي والتضجر من أقدار الله تعالى.

قال سيد جرجاني: “الصبر هو ترك الشكوى من البلوى لغير الله تعالى”. ولو قمنا بإطلالة على حياة الرسول صلى الله عليه وسلك لوجدناها مليئة بالابتلاءات والعقبات والمحن والمصاعب، فقد ولد صلى الله عليه وسلم يتيم الأب، وبعد فترة قصيرة ماتت أمه أيضا، ثم كفله جده عبد المطلب ثم مات فكفله عمه أبو طالب..

واشتدت عليه الابتلاءات بعد بعثته الشريفة فنعت بالساحر والمجنون، فصبر واحتسب واستمر في دعوته، وتعرض للأذى من أقرب الناس إليه، فكان عمه أبو لهب يتبعه صلوات الله عليه في مجامع الناس وأسواقهم يكذبه ويضيق عليه، بينما كانت امرأته أم جميل تجمع الحطب والشوك وتلقيه في طريقه.

ويبلغ الأذى قمته فيحاصر صلى الله عليه ثلاث سنوات في شعب أبي طالب، وتهجم عليه الأحزان المتوالية، فيفقد زوجته أمنا خديجة رضي الله عنها، التي دعمته ووقفت بجانبه ونصرته ونصرت الدين، ثم يفاجأ عليه الصلاة والسلام بموت عمه الذي كان يدافع عنه، ويضاعف حزنه أنه مات على الكفر، ثم يخرج من بلده مهاجرا  بعد عدة محاولات لقتله واغتياله، فلم تزده هذه الأحداث إلا تعلقا بربه، وهو القائل صلى الله عليه وسلم في دعاء الطائف الذي رواه محمد بن كعب القرظي: “اللهمَّ إليك أشكو ضَعْفَ قوَّتي، وقلةَ حيلتي، وهواني على الناسِ، يا أرحَمَ الراحمِينَ، أنت رَبُّ المستضعَفِينَ، وأنت ربِّي، إلى مَن تَكِلُني؟ إلى بعيدٍ يَتجهَّمُني، أو إلى عدوٍّ ملَّكْتَهُ أمري؟! إن لم يكُنْ بك غضَبٌ عليَّ فلا أُبالي، غيرَ أن عافيتَك هي أوسَعُ لي، أعُوذُ بنورِ وجهِك الذي أشرَقتْ له الظُّلماتُ، وصلَح عليه أمرُ الدُّنيا والآخرةِ، أن يَحِلَّ عليَّ غضَبُك، أو أن يَنزِلَ بي سخَطُك، لك العُتْبى حتى ترضى، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بك” (2).

فقدَ أبناءه الستة كلهم في حياته ولم تبق إلا السيدة فاطمة الزهراء التي لحقت به بعد ستة أشهر من وفاته صلى الله عليه وسلم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: “تَدْمَعُ العَيْنُ وَيَحْزَنُ القَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا ما يَرْضَى رَبَّنَا، وَاللَّهِ يا إِبْرَاهِيمُ إنَّا بكَ  لَمَحْزُونُونَ” (3).

ولم يقتصر صبره صلوات الله عليه على الابتلاء، بل أيضا على الطاعات مؤتمرا بأمر الله تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ? كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ? بَلَاغٌ ? فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (الأحقاف: 35)، فكان عليه الصلاة والسلام يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان، وكان عابدا قواما صواما ذاكرا مجاهدا يبذل كل ما له في سبيل الله سبحانه، فعن المغيرة بن شعبة أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ صَلَّى حتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ، فقِيلَ له: أَتَكَلَّفُ هذا؟ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ، فَقالَ: “أَفلا أَكُونُ عَبْدًا شكورا” (4).

 فأين نحن من صبره صلى الله عليه وسلم؟ وكيف لنا أن نتخلق بهذا الخلق العظيم؟

1-  يجب علينا تحديد الهدف، فمن عرف ما طلب هان عليه ما وجد، وأسمى هدف هو طلب وجه الله تعالى، وبهذا تهون علينا الابتلاءات في سبيل الله، ونقبل على الطاعات بشغف وحرص، ونعرض عن المعاصي والذنوب.

2- تذكر القاعدة الجوهرية التي  تشير إلى أن لذة المعاصي تذهب ويبقى وزرها، ومشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابها، فيجدر بنا المسابقة والمسارعة لفعل الطاعات والابتعاد عن المعاصي.

3- اليقين أن أي ابتلاء أو مصيبة في طيها نعمة، لقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ  وَعَسَى? أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ  وَعَسَى? أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (البقرة: 216).

4- الجزم بأن الدنيا دار ابتلاء والتواء لا دار استواء، مصداقا لقوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (البقرة: 155). فالصبر مفتاح الفرج، وسبب لنيل محبة الله ومعيته، ووسيلة للترقية وبلوغ المراتب العليا عند الله تعالى.

5- الحرص على النوع الرابع من الصبر، وهو المفتاح للأنواع الثلاثة السابقة، وهو : “الصبر مع الصحبة الصالحة”، استنادا إلى قوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ? وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (الكهف: 28)، وفي الآية الكريمة أمر إلاهي لسيد الصابرين ومعه المؤمنين بالصبر مع الذين يدعون الله تعالى صباح مساء، وهم الصحبة الصالحة التي تعرف بالله وتأخذ بالمؤمنين إلى محبة الله ورسوله.

6- الاستعانة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، فالصبر بالتصبر.

7- الاستعانة بالصلاة، لقوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ? وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (البقرة: 45).

8- الصيام، لأنه يمكننا من التحكم في النفس وكبح جماحها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الصيامُ نِصْفُ الصبرِ” (5).

خلاصة القول أن الصبر  من أعظم الأسلحة التي يجب على المسلم التسلح بها لمواجهة النفس وكسلها وشهواتها، ولمواجهة شياطين الإنس والجن، وللتعامل مع أقدار الله تعالى بالرضى والقبول. فهو مفتاح الفلاح سلم الوصول للهدف. فاللهم ارزقنا صبرا جميلا بدون شكوى، وعافنا من بلاء الدنيا والآخرة.

________________-

(1) الإيمان لابن تيمية، ص:  78، والحديث  صحيح.

(2) تخريج زاد المعاد لابن القيم الجوزية، ص: 3-28، حكمه: مرسل.

(3) رواه مسلم في صحيحه، ص: 2315.

(4) رواه مسلم في صحيحه، ص: 2819.

(5) الجامع الصغير للسيوطي، ص: 5182، وحكمه: صحيح.

         أضف تعليق