المشرف العام
مقالات
الغرور.. هادم العلاقات
 
تمت الإضافة بتاريخ : 23/05/2021م
الموافق : 12/10/1442 هـ

الغرور.. هادم العلاقات

 لمياء الأمين

قال الله تعالى: يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) الذي خلقك فسواك فعدلك (7) (سورة الانفطار).

كيف تجزم بعيشك وأنت فارغ من الله؟ أنت جثة تتآكل قبل القبر، وما اللحد إلا ستر لها فضلاً من الله ورحمة!!

إن الغرور إذا تملك أمة ** كالزهر يخفي الموت وهو زؤام (1)

ليس من شيء أكثر فعالية في نجاح العلاقات الاجتماعية من خفض جناح المودة والرحمة لخلق الله، والتواضع معهم في الشارع والاجتماعات العامة والخاصة وعلى المائدة.. وليس أكثر ما يهدِمها مثل الغرور وتحقير الناس والاستعلاء عليهم بالمال أو السلطة أو القوة أو العلم أو الجمال…

الغرور من الاغترار بالشيء والانخداع به، ومنه قوله تعالى: يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم أي ما خدعك؟ قال ابن منظور: غرّه يغُرّه، خدعه وأطعمه بالباطل (2). والغرور حقا إطعامٌ للنفس بقوةٍ باطلة وصَلاحٍ باطل وفهم باطلٍ وتغذيةُ الجهل فيها وطمسُ نورِ الحق عنها.

إن مسببات الغرور كثيرة؛ الحسب والنسب أو المال أو السلطة أو العلم.. أو يصيبُ الإنسانُ نفسَه بالغرور عمْدا لانعدام كل هذه المسببات فيه. فيَلْتحِف بأسمال الغرور المرقّعةِ ليخفي خواءه، وما خواؤُه الذي يظنّ إلا جهلٌ منه بخيرٍ ملأهُ الله به فطرةً وأصلا.

إن الحسب والنسب نعمة تُذْكَر لكنها نقمةٌ إن ظنّ صاحبها أنها تعطيه حق الاستعلاء على العباد واستحقارهم، أو إنْ ظن أنها مصدرُ كمالٍ مطلق لا يستوجب بعدَه إتمامَ أي نقصٍ علمي أو عملي، إن ظن أيضا أنها تضمن له حقوقَ الدنيا وحق الآخرة!!

ثم كثيرا ما نصادف أهل علمٍ أخذ الغرور منهم مأخذه حتى غَيَّبَ عِلْمهُم، فلا تَعدو شواهدُهم ومكانتهم العلمية مجرد قصائدَ يتغنّون بها على الشاشات وفوق المنصات، تشغلهم عن طلبِ غير ما حصّلوا، فلا يزيدون بعده زيادة إلا زيادة في الكِبر والغرور، نسأل الله العافية. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (سورة الإسراء، الآية 85).

أما الاغترار بالمال والثروة فهو من أخبث مسببات الغرور، المال فيض رزق من الله يمنعه ويعطيه متى شاء وكيف شاء، وهو أمانة كأمانة العلم والصحة والدين، صونها واجب بصحيح صرفها وإنفاقها ولتصدق منها والتمتع بها كما أمر سبحانه.. الاغترار بالمال ينفي قيمة الإنسان ويُشَيّئه، فيصير ماديّا في كينونته فاقدا لوزنه، إذ ثمن ساعة يده ونوع حذائه ورمز ملابسه يحدد قيمته الآدمية، وما أبخسها من قيمة!!

وأفتك المسببات مفعولا في تحقيق الغرور هي السلطة!! داء وأي داء.. مرض العصر، دُمِّرَت به دولٌ واكتوت به شعوبٌ وأُسَر.. سرطان خبيث يتغذى على استعباد خلق الله، له سيوف ذات حدين؛ تقطع بأحكام الهوى يمينا وشمالا دونما رحمة!! غرور السلطة يجلب غرور المال والعلم الزائف والحسب والنسب.. فلا ينجو من بطشه أحد تجرأ على قول: “هداك الله إنك مغتر!!”.

ومن الغرور الأكثر انتشارا، وقد يكون غرور الضعفاء، غرور ناتج عن غياب هذه المسببات، فترى الواحد يمشي في الأرض مرحا يضربها ويُكابد أنْ يلمس شعرُ رأسِه السماء!! يؤثث صورته كل صباح أمام المرآة قبل مواجهة العالم، يؤثثها ببعض الثياب وبعض كلمات قضى يومه الماضي يحفظها سرا من شفاه عابرة يراها مثالية في مخياله، يمَرِّن شفتيه وتعابير وجهه المستعارة.. يثبت القناع بشدة بالغة وجهدٍ أبلغ.. يستعير دونما وعي ودونما قوة، تفاصيل غيره ثم يخرج!!

لو أنه أفرغ هذا الجهد وهذا العناء في تحقيق علم أو عمل أو اجتهاد، وأرخى ملامح وجهه تتدلى كما شاءت لرأى فيها نعمَ الله وكمال الله وروح الله، ولكان خيراً له.. كيف يطفئ في ذاته فطرة البحث والتطوير ليستسلم للتقاعس الداخلي والفشل أمام الامتحانات والتحديات؟ فيسقط حينها القناع وتنكشف السوءة، ولعل الدرس يكون بالغ المعنى!!

ومن أغرب الغرور الذي وقفت عليه؛ غرور المرء لانتمائه لدينٍ معين؟ فيحسب أنه بانتمائه العقائدي ضَمِنَ الجنّة أو أرضى الآلهة أو نال بركات الأرواح التي بها يدين!! وحسبه انتماؤه ليصنف الناس على هواه، يرفع من شاء ويخفض من شاء في ميزان بصيرته المظلمة. فهو يعتقد أنه يملك الحقيقة الدينية المطلقة، فتجده يبرر لنفسه كل هفوة وسقطة ويهجم على غيره في كل اجتهاد أصاب أو لم يصب!! يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: “أفسد شيء للأديان غرور أصحابها، يحسب أن مجرد انتمائه لدين ما قد ملكه مفاتيح السماء وجعله الوارث الأوحد للجنة! ومن ثم فإن صاحب هذا التدين يتوسل إلى أغراضه بما يتاح له من أسباب، بغض النظر عن قيمتها الأخلاقية” (3).

إن نشوء الغرور في نفس الإنسان بغض النظر عن مسبباته، التي ذكرنا أو التي فاتنا ذكرها، نشوء من ضعف وجهل وسوء فهم لحقيقة عيشنا في الحياة الدنيا.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر الرعاية والاحترام للآخرين مع إعراضهم عن التصديق بدعوته. أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: مر بنا جنازة فقام لها النبي وقمنا به، فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي. قال: “إذا رأيتم جنازة فقوموا”. وفي حديث آخر: أن النبي مرت به جنازة فقام فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: “أليست نفسا؟” (4).

عبارة صريحة تثمّن النفسَ البشرية وتضعها في موضعها المُستَحق وهي جثة في طريقها للقبر!.. فكيف بالأرواح الحية التي تتفاعل وتتشارك القيم الإنسانية والدينية والعرفية؟ تقدير الآخر هو احترام لإنسانيتنا، وأي فكر أو فعل يستقوي باستضعاف الآخرين والتنقيص منهم ومن أفكارهم أو آرائهم أو عرقهم أو دينهم أو علمهم أو صحتهم أو فقرهم هو جرم اسمه الغرور، وبسببه طرد إبليس لعنه الله من الجنة..

نشوء الغرور فينا هو نتيجة لطمس الفطرة الصافية التي تنادي بحب الناس وحب الخير والألفة والرحمة وخفض الجناح. ما الغرور إلا طرد لروح الله منا وإخلاءُ سبيلٍ لظلمةِ الجهل وسطوة الشيطان أن يسْكُنَانا!

ليس من قوة أعظم من أن تكون قويا بالله، ثابتا واثقا به تعالى، متحررا من كل إحساس يستعبد فطرتك ويخنقها بمفاهيم سامة تنقص من حقيقة قيمتك كإنسان، ومن حقيقة أهميتك كعبد لله الواحد الأحد.. التحرر من قيود الغرور قوة تنسف ضعفه وتكسر سطوته الواهية! فيا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم؟!

________________

(1) بيت للشاعر أحمد شوقي.

(2) لسان العرب لابن منظور.

(3) محمد الغزالي، كتاب: “قضايا المرأة بين التقاليد الوافدة والراكدة”، ص 26.

(4) صحيح البخاري، حديث رقم 1311/1312.

         أضف تعليق