المشرف العام
الداعية الصغير
ما هي الأخلاق التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها...؟
 
تمت الإضافة بتاريخ : 31/03/2021م
الموافق : 18/08/1442 هـ

ما هي الأخلاق التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها...؟

إن قلمي بين أناملي في حيرة يرتجف شوقاً وحباً على أملٍ لأن يجيد وصف روعةِ الأخلاق المحمدية التي أوصانا بها صاحب الخلق الرفيع والمقام الجليل وحبيب رب العالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه الأطهار الطيبين..

الأخلاق الحسنة تشبه التربة التي نزرع فيها بذورنا فتنبت لنا أحلى الثمار، وفي داخل كل إنسان بستان من الزهور والثمار التي يمكن أن يسقيها فتزهر وتنمو، أو يجعلها عطشى فتموت من غير إمكانية الإعادة للحياة.

الأخلاق الفاضلة طريقك إلى الجنة:ولقد جعل الله تعالى الأخلاق الفاضلة سبباً للوصول إلى درجات الجنة العالية التي شوّقنا إليها في سورة آل عمران:وَسَارِعُو?اْ إِلَى? مَغ?فِرَة? مِّن رَّبِّكُم? وَجَنَّةٍ عَر?ضُهَا?لسَّمَ?وَ?تُ وَ?ل?أَر?ضُ أُعِدَّت? لِل?مُتَّقِينَ (133) ?لَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ?لسَّرَّا?ءِ وَ?لضَّرَّا?ءِ وَ?ل?كَ?ظِمِينَ ?ل?غَي?ظَ وَ?ل?عَافِينَ عَنِ ?لنَّاسِ? وَ?للَّهُ يُحِبُّ ?ل?مُح?سِنِينَ (134)

وقال صلى الله عليه وسلم«إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى 8952 )

وأجلُّ وأهمُّ ما علّمه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم للناس بداية َبعثته هو صلة الرحم والصدق والأمانة ونصرة المظلوم وترك المحارم وسفاسف الأمور..... وهذا ما جعل النجاشي يُزين وجهه سروراً وفرحاً عندما وصف له سيدنا جعفر الطيّار الإسلام فلم يقل له إسلامنا الصلاة والزكاة والحج... إلخ فحسب، وإنما الأخلاق الطيبة التي تدفع الإنسان لطاعة ربه وخالقه بدليل قوله تعالى:إِنَّ ?لصَّلَو?ةَ تَن?هَى? عَنِ ?ل?فَح?شَا?ءِوَ?ل?مُنكَرِ? وَلَذِك?رُ ?للَّهِ أَك?بَرُ? وَ?للَّهُ يَع?لَمُ مَا تَص?نَعُونَ

فديننا معاملة مع الله ومع الناس ومع الخلق جميعاً بطيب نفسٍ وسماحة روح، فكم من شاذ وشارد عن الله، أحب الإسلام ودخل فيه بسبب ما وصى من آداب وأخلاق وعفو وصفح ...وقد وصل الإسلام إلى كل أصقاع الأرض بسبب أمانة تجَّاره وصدقهم.

الجمع بين التقوى وحسن الخلق:ولقد جمع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بين التقوى وحسن الخلق وأوصانا فقال:«اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». (رواه الترمذي 1987)

وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: تقوى الله وحسن الخلق.

الرفق من الأخلاق المطلوبة:فهذا فرعون طاغية الأرض الذي تجرّأ على ألوهية الخالق وادَّعاها لنفسه تكبراً وطغياناً عندما بعث الله إليه سيدنا موسى وأخيه ماذا قال لهما:?ذ?هَبَا? إِلَى? فِر?عَو?نَ إِنَّهُ? طَغَى? (43) فَقُولَا لَهُ? قَو?ل?ا لَّيِّن?ا لَّعَلَّهُ? يَتَذَكَّرُ أَو? يَخ?شَى? (44). (طه 44)

قال ابن كثير رحمه الله: ((فَقُولَا لَهُ? قَو?ل?ا لَّيِّن?ا لَّعَلَّهُ? يَتَذَكَّرُ أَو? يَخ?شَى?) هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين). (تفسير ابن كثير ج5 ص260)

إنه جمال لا يوصف وعبرة ودرس لكل واعظ ومدرّس، ففي الأمة مع الأسف من يعظ الناس بفظاظة وغلظة وكأنه نصّب نفسه قاضياً على الخلق، وحقيقة الأمر أنه يحتاج للموعظة لأنه بفظاظته ينفّر الناس من الإسلام.

وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ «الْمَأْمُونَ» وَعَظَهُ وَاعِظٌ وَعَنَّفَ لَهُ فِي الْقَوْلِ فَقَالَ: يَا رَجُلُ ارْفُقْ فَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ إِلَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي وَأَمَرَهُ بِالرِّفْقِ فَقَالَ تَعَالَى: (فَقُولَا لَهُ? قَو?ل?الَّيِّن?ا لَّعَلَّهُ? يَتَذَكَّرُ أَو? يَخ?شَى? (44)) [طه: 44].(إحياء علوم الدين ج2 ص334)

ماهي التقوى؟

جميع الأخلاق الحسنة جميلة مطلوبة، والتقوى زينة هذه الأخلاق وتاجها فهي سبب محبة الله تعالى لعبده قال سبحانه تعالى:بَلَى?? مَن? أَو?فَى? بِعَه?دِهِ? وَ?تَّقَى? فَإِنَّ ?للَّهَ يُحِبُّ ?ل?مُتَّقِينَ. [آل عمران: 76]

وقد عرفها لنا سيدنا علي كرم الله وجهه بقوله: "هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل"(الترغيب والترهيب للمنذري ج3 ص613)

لماذا التقوى؟ لأنها تجعلنا تحت رقابة الله وعنايته وتجنّبنا الغيبة والنميمة والكذب والخيانة وأخلاقاً لا تعد ولا تحصى في مجالات البيت والعمل والتعليم والتجارة وغير ذلك ...

ومن فوائد التقوى أنها سبب لحصول الرزق ومدعاة لاستجلاب الفرج والعناية من الله سبحانه وتعالى، قال الإمام القشيري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: "وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَج?عَل لَّهُ?مَخ?رَج?ا (2) وَيَر?زُق?هُ مِن? حَي?ثُ لَا يَح?تَسِبُ?". (الطلاق آية 2-3)

إذا صَدَقَ العبدُ في تقواه أخرجه من بين أشغاله كالشعرة تُخْرَجُ من بين العجِين لا يَعْلَقُ بها شيءٌ. ويضربُ الله تعالى على المُتَّقِي سرادقاتِ عنايته، ويُدْخِلُه في كنف الإيواء، ويَصْرِفُ الأشغال عن قلبه، ويُخْرِجُه من ظلمات تدبيره، ويُجَرِّدُه من كل أمر، وينقله إلى شهود فضاء تقديره. (لطائف الإشارات للقشيري ج3 ص600)

ومن أهم الأخلاق التي ينبغي للمرء أن يتحلى بها أيضاً...الصدق

والصدق: كما قال الإمام الغزالي رحمه الله يستعمل في ستة معانٍ

(صدق في القول وصدق في النية والإرادة وصدق في العزم وصدق في الوفاء بالعزم وصدق في العمل وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صدّيق لأنه مبالغة في الصدق‏.‏). (إحياء علوم الدين ج4 ص388)

والأمور الستة التي يستعمل فيها الصدق هي:صدق القول: أي صدق اللسان فحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه من الكذب ولو كان مازحاً.

صدق النية: ويتجلى ذلك في الإخلاص وهو ألا يكون باعث في قلبه إلا الله.

صدق العزم: فإن الإنسان يقدم العزم على العمل.

الصدق في الوفاء بالعزم: فإن النفس قد تسخو بالعزم فلا مشقة فيه ولكن عند تحقيق العمل تبخل وتغلب الشهوة كرجل تمنى المال حتى يتصدق فيه، وما إن أعطاه الله إياه شح وبخل.

الصدق في الأعمال: وهو أن يكون باطنه كظاهره.

الصدق في مقامات الدين: وهو أعلاها وأعزها كالصدق في الخوف والرجاء كما كان سيدنا عمر رضي الله عنه عندما سألَ صاحبَ سر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه هل عمر اسمه مع المنافقين؟ يسأل عمر ذلك وهو ممن بشّر بالجنة. (انظر إحياء علوم الدين ج4 ص388)

علامات المتخلِّق بالصدق:الصادق لا يستحي من سره أن ينكشف، ومن مظاهر الجمال التي تبدو على الصادق الحلاوة والملاحة والهيبة.

يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: ما من مُضغة أحبُّ إلى الله من لسان صدوق، وما من مضغة أبغض إلى الله من لسان كذوب. (روضة العقلاء ص52)

وقيل للقمان: ما بلغ بك ما نرى؟ -يريدون الفضل فقال لقمان: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني. (تنبيه الغافلين للسمرقندي ص156 )

فعلينا أخي الحبيب ان نتحرى الصدق في كل أمورنا ونيّاتنا حتى نكتب عند الله من الصديقين لبعضهم.

ومن أزهار حديقة أخلاقنا "قضاء حوائج الناس "

قال ربنا: وَ?ف?عَلُواْ ?ل?خَي?رَ لَعَلَّكُم? تُف?لِحُونَ (الحج 77)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (2442 رواه البخاري رحمه الله تعالى)

فكلٌّ منا يضع نفسه في مقام الضعف والحاجة ولينظر كيف يفرح بمساعدة أخيه له وليُعمل جهده لنيل هذا المقام والخلق الرفيع.

وتفكر أن عملا ًبسيطاً ربما لا يكلّفك جهداً ولا مالاً لكنه ينقذك من موقفٍ عظيم تشتريه بالدنيا وما فيها، فلنكن جسداً واحداً وبناءً مرصوصاً لا تزعزعه أهواء الدنيا وشهواتها.

"الحب في الله" زهرة جميلة من زهور أخلاقنا

الحب في الله: الحب قنديل مقدّس ينير القلوب وهو ضياء للعقول ومعرفة النفوس يكسب المحب رضىً وأماناً, فالحب يجعل الإنسان في سعادة وسرور في الدنيا ونجاة وفوز في الآخرة

قال رَسُولَ اللَّه ?: قالَ اللَّهُ تَعَالَى:وَجَبَتْ مَحبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتَجالِسِينَ فيَّ، وَالمُتَزَاوِرِينَ فيَّ، وَالمُتَباذِلِينَ فيَّ. (رواه مالك في الموطأ 3507/ 763)

لِأَن قُلُوبهم لهت عَن كل شَيْء سواهُ فتعلقت بتوحيده، فألَّف بَينهم بِرُوحِهِ، وروح الْجلَال أعظم شَأْنًا أَن يُوصف. (شرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص186)

والحب في الله سبب لبعدك عن الغيبة والسخرية، لأن المحب لا يسيء لمحبوبه ولا يرى عيوبه بل يدافع عنه أمام الناس وينصحه سراً وبهذا نكون أمة قوية تسود كل الأمم.

ومن أزهار حديقة أخلاقنا أيضاً:الحلم والرفق: وهما صفتان يحبهما الله ورسوله فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة. (أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى 18)

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن الرِّفْقَ لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزع من شيءٍ إلا شانه». (أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى 2594)

قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: اِعلم أن الرفق محمودٌ ويضاده العنف والحدة، والعنف نتيجة الغضب والفظاظة، والرفق نتيجة حسْن الخلق والسلامة، وقد يكون سبب الحدة والغضب، وقد يكون سببها شدةُ الحرص واستيلاؤه بحيث يدهش عن التفكر ويمنع من التثبت، فالرفق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق، ولا يحسُن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة وحفظهما على حد الاعتدال. (إحياء علوم الدين ج3 ص185)

لذلك أخي المسلم عليك أن تتجاهل غضب أخيك لتكسب قلبه وروحه، واستعمل الرفق في أمورك كلها، فإنه باب لكل خير.

ولقد قال القاضي التنوخي:

إلْقَ الْعَدُوَّ بِوَجْهٍ لَا قُطُوبَ بِهِ *** يَكَادُ يَقْطُرُ مِنْ مَاءِ الْبَشَاشَاتِ

فَأَحْزَمُ النَّاسِ مَنْ يَلْقَى أَعَادِيهِ *** فِي جِسْمِ حِقْدٍ وَثَوْبٍ مِنْ مَوَدَّاتِ

الرِّفْقُ يُمْنٌ وَخَيْرُ الْقَوْلِ أَصْدَقُهُ *** وَكَثْرَةُ الْمَزْحِ مِفْتَاحُ الْعَدَاوَاتِ أدب.(الدنيا والدين ص182)

هذه أيها القارئ الكريم ومضة من بعض الأخلاق الإسلامية الجليلة وهي غيض من فيض والحديث فيها يطول ولا يمل، وحسن الخلق تعود ثماره على نفسية الفرد من راحة وأمان ونوم هادئ وطول بال وحسن دين وحال..، ويعود على أمتنا بالخير العميم والتغلّب على الأعداء والمشوشين، وكفى بحسْن الخلق فضِيلة أنه سبب للقرب من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً. (رواه الترمذي 2018 )

عفا الله عنا وعنكم وهدانا وإياكم لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا هو جلّ وعلا ونسأله أن يصرف عنا سيّئها إنه جواد حليم كريم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

         أضف تعليق