المشرف العام
الداعية الصغير
أصلح نفسك ما دمت في مهل
 
تمت الإضافة بتاريخ : 30/01/2021م
الموافق : 17/06/1442 هـ

أصلح نفسك ما دمت في مهل

سلطان بركاني

لا تزال أيامنا تمضي وأعمارنا تنقضي وأعمالنا تحصيها ملائكة لا تغفل ولا تنام، في صحف لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا حوتها بالتّمام.. أيامنا جميعا تمرّ، في ساعات معدودة وبشمس تشرق وتغرب، لكن شتّان بين يوم ويوم؛ بين يوم يمضي محمّلا بالصّلاة والصّيام والذّكر والاستغفار وتلاوة كلام الله، وبين يوم يمضي محمّلا بالغفلة والتّقصير والتّفريط في جنب الله.

يقول أحد الدّعاة إلى الله: “إذا كانت أيامك تمرّ وتنقضي من دون سنن رواتب، ومن دون وتر وصلاة ضحى، ومن دون تلاوة شيء من القرآن الكريم، ولا أذكار صباح ومساء، ولا عمل ينفعك في الآخرة؛ فلا تتعجب من أن تفقد السعادة والراحة في الدنيا، ولاتتعجب من أن تقف في الآخرة مكتوف اليدين والناس ينادون من حولك ليدخل أحدهم من باب الريان وآخر من باب الصلاة وآخر من باب الصدقة وآخر من باب الصلة وآخر من باب الجهاد”.

هذه الحال التي تحدّث عنها هذا الدّاعية، هي حال نمرّ بها جميعا من حين إلى آخر، ولعلّ بيننا من يعيشها في كلّ يوم، لعلّ بيننا أيها المؤمنون من يعيش ضيقا في صدره وثقلا في روحه وقسوة في قلبه.. يشعر بأنّ السّعادة قد غادرت روحه من دون رجعة.. يشعر بأنّه يعذّب في دنياه، لا يستمتع بمال ولا متاع ولا بحديث مع الأقران، يضحك بشفتيه لكنّ في داخله من الهمّ والضّيق ما الله به عليم.. ولعلّه يتساءل من حين إلى آخر: لماذا كلّ هذا الذي ينتابني وأشعر به؟ ولا يدري أنّه إنّما أتي من تقصيره وتفريطه في حقّ خالقه.. أتي من هجره للقرآن وغفلته عن الذّكر والاستغفار وتركه للسّنن الرواتب.. كيف إذا كان مضيّعا للفرائض مرتكبا للمحرّمات؟.. كيف لو كان ينام عن صلاة الفجر؟ كيف لو كان يضيّع الظّهر والعصر بحجّة أنّ العمل عبادة؟ كيف لو كان يجمع المغرب مع العشاء؟ كيف لو كانت علاقته بوالديه أو أحدهما ليست على ما يرام؟ كيف لو كانت بينه وبين إخوانه عداوات وشحناء؟ إنّها سنّة الله في خلقه، يقول سبحانه وتعالى: ((فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)).. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وعليه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكّنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده المطلوب، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته ودوام ذكره والإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدا”.

أخي المؤمن.. وأنت تقرأ هذه الكلمات وتعود بفكرك إلى حالك وما تعانيه كلّ يوم في قلبك وروحك، اسأل نفسك الآن بكلّ صدق: منذ متى وأنت تعاني وتكابد هذه الحال؟ ربّما مرّت بك سنوات وأنت لم تسأل نفسك: لماذا وإلى متى؟ هل أنتظر موتا مفاجئا أو مرضا مقعدا؟ يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله: “انظر إلى حالك التي أنت عليها، إنْ كانتتَصلح للموت والقبر، فتمادَ عليها، وإن كانت لا تصلح لهذين، فتُب إلى الله منها، وارجع إلى ما يصلح” (بستان الواعظين، 1/ 192، 193).

حالك هذه هل ترضاها لاستقبال ملك الموت؟ لو علمت أنّ ملك الموت سيأتيك هذا المساء، هل ستصرّ على حالك؟ هل ستبقى كما أنت؟ أم إنّك ستسارع إلى إصلاح حالك؟ إلى الصّلاة وإلى نفض الغبار عن مصحفك وإلى طلب الصّفح والعفو من والديك وإلى إصلاح ما بينك وبين إخوانك؟

حالك هذه التي أنت عليها من ترك النّوافل وهجر القرآن؛ هل ترضاها للقبر؟.. هل ترضى أن تدخل إلى قبرك وأنت على هذه الحال من التّفريط؟ هل ترضى أن تفتح عينيك على قبر مظلم موحش، لا أنيس فيه ولا جليس إلا عملك هذا القليل الذي تعمله الآن؟ هل ترضى أن يأتيك عملك في صورة رجل قبيح الوجه منتن الريح فيقول لك: أنا عملك الذي كنت تعمل في الدّنيا”، ويجلس معك لينكّد عليك عيشك في القبر بشكله وريحه؟”

حالك هذه هل ترضاها ليوم القيامة؛ يوم تقف وقد بلغت بك الحسرة مداها، وأنت ترى أعمالك الصّالحة التي توضع في ميزان الحسنات أقلّ من أن تنجيك، وترى جارك فلانا ينادى من باب الصّلاة لأنّه كان كثير التنفّل بالصّلاة، وقريبك فلانا ينادى من باب الريان لأنّه كان كثير الصيام، وترى فلانا يحشر مع السّفرة الكرام البررة لأنّه كان يتلو القرآن آناء الليل وأطراف النّهار، بينما كنت أنت عاكفا على هاتفك سجينا في الفايسبوك والماسينجر؟.. إنّها لخسارة عظيمة أخي المؤمن.

أخي المؤمن.. يا من تمتّع بالصحّة والعافية.. هل تدري أنّ هناك من عباد الله من حرموا كثيرا من النّعم التي تتقلّب أنت فيها، لكنّهم مع ذلك لم يتركوا طاعة الله؟.. هناك من حرموا نعمة البصر ومع ذلك يصلّون الصّلوات في وقتها، بل ومنهم من يصلّيها في بيوت الله.. هناك من هم أقلّ منك مالا لكنّهم يتصدّقون وينفقون ويحتسبون.. كثير من أهل البلاء يجتهدون في طاعة الله ويتمنّون العافية التي أنت فيها ليزدادوا قربا إلى مولاهم وبرا بوالديهم، فلماذا نغفل أنا وأنت عن نعمة الصحّة والعافية ونقضي أوقاتنا في القيل والقال والغفلة وسوء الفعال؟

أخي المؤمن.. إن لم تتحرّك همّتك بذكر حال أهل البلاء، فذكّر نفسك بحال المسلمين الجدد.. هناك عباد لله أسلموا في بلاد الغرب حيث الفتن والشّهوات، وحيث قلّة النّصير والمعين، لكنّهم يحافظون على فرائض دينهم وعلى النّوافل وعلى الشّعائر، ويعملون لهذا الدين بالليل والنّهار.. عندما تفتر همّتك وتضعف نفسك وترى أنّك بدأت تتثاقل في طاعة الله وتميل إلى الرّاحة والدّعة، ابحث على شبكة الإنترنت عن حلقات الداعية المعروف فهد الكندري التي عقدها مع المسلمين الجدد في بلاد الغرب، لترى وتسمع العجائب من أحوال المسلمين الجدد، وكيف يجتهدون في طاعة الله وفي الدّعوة إلى الله، فتحتقر نفسك أنت الذي ولدت في بلد مسلم من أبوين مسلمين وتسمع الأذان 5 مرّات كلّ يوم، ومع ذلك لم تقدر هذه النّعمة قدرها.

إحدى الحلقات كانت مع امرأة أوروبية أعجمية صمّاء، وفوق ذلك تتكلّم بصعوبة بالغة .. تحاول أن تقرأ سورة الصّمد، فتتعتع فيها وتقرؤها بكلّ صعوبة وتبكي.. هذه المرأة اجتهدت اجتهادا عظيما حتى تتعلّم نطق الحروف وتتجاوز إعاقتها لهدف واحد، هو الدّعوة إلى الله.. ومع أنّها تنطق بعض الكلمات بصعوبة بالغة، فقد أسلم على يديها تسعة أوروبيين.. امرأة أعجمية صمّاء، وشبه بكماء، استطاعت بعون الله أن تدخل تسعة إلى دين الله، ونحن عشنا عقودا من أعمارنا نمتّع بأسماعنا وأبصارنا وألسنتنا وقواتنا، وبيننا من لم يستطع أن يصلح زوجته وأبناءه، وبيننا من يمتّع بسمعه وبصره ويتكلّم اللّسان العربيّ، ومع ذلك فمصحفه يعلوه الغبار.

         أضف تعليق