المشرف العام
مقالات
طلع البدرُ علينا و لنْ يأفل
 
تمت الإضافة بتاريخ : 28/11/2011م
الموافق : 3/01/1433 هـ

طلع البدرُ علينا و لنْ يأفل

 

د. ديمة طارق طهبوب

إنّ من عظم هذا الدين إمكانيّة القراءة المتجدّدة لنصوصه باختلاف الزمان و المكان و إمكانيّة انبعاث الأوّلين في الآخرين في مقام القدوة، و إمكانية تكرّر التاريخ و السنن ليصلح آخر هذه الأمة بما صلح به أولها.

و هجرة المصطفى -صلى الله عليه و سلم- تضيء علينا بأنوار مختلفة في الربيع العربي، فنرى حلم الدولة الإسلاميّة، بعد سنين بلغت بالمسلمين الأوائل كل مبلغ حتى ذهبوا إلى رسول الله يقولون: "ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا"، قد أصبح حقيقة و واقعًا عزيزًا، و أثمر غرس (13) سنة من التضحيات دولة الإسلام التي انتشرت حتى حدود الصين و فرنسا، و حتى بعد أن سقطت الدولة ظلت دعوة الإسلام قائمة، فبلغت ما بلغه الليل و النهار، و ما تركت حاضرة و لا بادية إلاّ و دخلتها بعزّ عزيز أو ذلّ ذليل.

ثلاث عشرة سنة حتى قامت الدولة، و أثمر التغيير، مع أن القائد كان مؤيّدًا من الله الذي أمْره بين الكاف و النون، فكيف بنا و نحن بشر إن أصبْنا فبتوفيق الله، و إن أخطأنا فمن أنفسنا نريد أن نقيم دولة الإسلام في يوم و يومين من غير اكتمال العدة البشريّة و عدة القوة.

"و لكنّكم تستعجلون" قالها لنا رسول الله. كنّا نستعجل الخلاص من الظلم قبل أن نعدّ لذلك الأسباب، و بعد أن أخرجنا الوهن من قلوبنا نريد أن نقلب الدنيا رأسًا على عقب، و الناس لم تجْهز بعد لتقوم دولة الاسلام في قلوبها قبل أن تقوم على أراضيها.

لقد أعطانا الناس ثقتهم و أصواتهم، و لكن من يعطيك صوته قد لا يعطيك ساعده للبناء، و لا فكره للاجتهاد، و لا دمه للتضحية، و لكنّ الواجب توسيع دائرة القبول لتشمل الجميع: من يجلسون على الحياد دون عداء، و من ينصرون بصمت، و من يعارضون و يجادلون، و من يعملون و يبذلون؛ فالبناء يقوم على قواعد و أعمدة و خرسانة ليست كلّها بنفس الأهميّة، و لكن اجتماعها معًا يشكل قوة منيعة تصمد لكثير من السنين و الابتلاءات.

الهجرة و إقامة الدولة الإسلاميّة كانت نهاية مرحلة التربية و الإعداد و استفتاح مرحلة التمكين و البناء، و حتى المبغضون يومها كانوا يعرفون لرجالات الإسلام قدرهم؛ فعرفوا نبيّهم بالصدق و الأمانة، و خبروا من صحابته جلدًا و صبرًا و قوة كالجبال لم تزعزعهم عنه صنوف العذابات التي لاقوها.

قبل الهجرة أعدّ المصطفى جيل الهجرة الذي استحقّ النصر، فكان أبو بكر الذي أنفق ماله افتداءً للإسلام و المسلمين، و كان عمر الشديد دومًا الثائر أبدًا لحدود الله، و كان العالم الفقيه معاذ بن جبل، و كان صاحب الفداء علي، و كان الشباب و الفتوة في عمار و بلال و جعفر، و كان العون من خديجة، و التضحية و المخاطرة و الحنكة من أسماء، كلٌّ يعرف دوره في صناعة الحدث، و كلٌّ في موقعه لا يتأخر عنه، و لو كان ثمن البقاء و الصمود أغلى ما يملك.

قبل الهجرة كان هناك عمل دؤوب، و ارتحال للدعوة، و تنويع للخطاب مع قريش و الطائف و غيرهم، و إقامة للتحالفات مع أهل المدينة، و كلما فشلت وسيلة جرّب الرسول -صلى الله عليه وسلم- و صحابته غيرها، مع أنهم يعرفون أنهم أهل الحق، و أنّ المشركين أهل باطل، إلاّ أنّ الرسول -صلى الله عليه و سلم- كثيرًا ما ترك إثبات المواقف لأهداف أجلّ و غايات أعظم ليعلم المسلمين أن عدم مواجهة العواصف يكون –أحيانًا- من الحكمة و حسن التدبير، وليس جبنًا أو خوفًا، و لكن إعدادًا لكرة أخرى يكون الفوز و النصر فيها مضمونًا بإذن الله.

الهجرة و النصر و الدولة و ما لحقها لم يأتِ خبط عشواء، و لا بالأمنيات، و إنما بتخطيط منظّم و عمل و مراجعة، فلما جاءت الدولة كانت أركانها واضحة، و مؤسّساتها جاهزة للإقامة واحدة تلو الأخرى، و وُضِعت القوانين و المعاهدات الناظمة لمواطني الدولة و غيرهم

إن في الهجرة كذلك معاني متجدّدة للأفراد و لخاصة نفس كل منا، أفهمنا إياها رسول الله فقال: "و المهاجر من هجر ما نهى الله عنه". و قال أيضًا: "عبادة في الهرج كهجرة إليّ".

الهجرة وقفة مراجعة مع النفس و جردة حساب لا بد منها؛ حتى نعرف ما كان و ما سيكون بإذن الله، هي فرصة للتوبة التي يقبلها الله منا برحمته الواسعة، و تجديد للعهد و صدق الشاعر حين حذرنا:

قطعتَ شهورَ العام لهوًا و غفلةً                و لم تحترمْ فيما أتيتَ المحرّما

فلا رجبًا وفيت بحقه و لا                صمتَ شهرَ الصومِ صومًا متمّما

و لا في ليالي عشر ذي الحجةِ الذي   قضى كنتَ قوّاما و لا كنتَ محرما

فهلْ لك أن تمحو الذنوبَ بعبرةٍ             و تبكي عليها حسرةً و تندّما

و تستقبلَ العامَ الجديدَ بتوبةٍ                    لعلّك أن تمحو بها ما تقدّما

الأمل في عامنا هذا و أعوامنا القادمة أن ذكرى الهجرة لن تكون كسابقاتها؛ فالزمن دار دورته، و دولة الإسلام -الذي أرسله الله رحمة للعالمين- عائدة بإذن الله.

كل عام و أنتم من أصحاب السبق و الهجرة.

 

         أضف تعليق