المشرف العام

حيـاتنا قـيـم : القيم الإيمانية

القدوة
مقال تجاربمخططقصة
القدوة الحسنة

القدوة الحسنة

أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، والصلاة على المبعوث رحمة للعالمين وقدوة للخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

لو تأمَّلنا أعمالنا، لوجدنا أن كثيرًا منها جاء من الاقتداء، والاقتداء غريزة تكمُن في نفوس البشر، ولكن الناس يختلفون في قدوة كل منهم، منهم من يكون له قدوة حسنة، ومنهم من يكون له قدوة سيئة، فتأمل مثلاً حال الرجل الذي أطلَق لِحيته وقصَّر ثوبه، وحسَّن خلقه، وحرَص على طاعة ربه، مَن هو قدوته؟ وتأمَّل آخرَ إذا مرَّ بك في سيارته، صُمَّت أذنُك من الأغاني الغربية، ولا يرتاح إلا بلُبس الجنز والقبعة، وربما لُبس السراويل القصير، وساربه في الشارع أو بعض المنتزهات، هذا وأمثاله مَن هو قدوته؟

وتأمَّل إن شئت تلك الفتاة التي لا تغادر بيتها إلا لحاجة ماسة، وإن خرجت، خرجت محتشمة، مبتعدة عن مخالطة الرجال ومحادثتهم، مَن هي قدوتها؟ وتأمل حال تلك الفتاة التي تتعذر بالخروج لأتفه الأسباب، وإذا أرادت الخروج بادرت إلى لُبس البنطلون والقميص، وأخفتهنَّ تحت عباءتها حتى تغادر منزلها وتختفي عن نظر ولي أمرها، وإذا وصلت إلى السوق أشغلت نفسها بعباءَتها؛ مرة تفتحها، وأخرى تغلقها بحجة إصلاحها، لا! ولكن حتى ترى ملابسها، هذه وأمثالها مَن هي قدوتها؟

إن أخذ الأمور على علاتها وتقليد الآخرين دون تمحيص وتجريد، يؤدي بالشباب والفتيات إلى البعد عن الحقيقة، وفِقدان الهوية، وذوبان الشخصية الإسلامية؛ لذا اجتمعت على الشباب وسائل الغرب ومغرياته، لتصوغ منهم شبابًا لا يعرف نفسه، ولا يستطيع تحديد وجهته، فتقودهم إلى التبعية التي تفسد عقيدتهم، وتمحو شخصيتهم، وتضر بأُمتهم.

والتقليد الضار من الأمور التي يرفضها الإسلام رفضًا قاطعًا؛ لذا نعَى القرآن الكريم على الكافرين تقليدهم لآبائهم أو ساداتهم دون فكرٍ ورويَّة، وإعمال عقلٍ فيما يقولون أو يفعلون، ومن الآيات التي تدل على ذلك قوله - سبحانه -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 170].

كما حذَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في سنن الترمذي عن حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تكونوا إِمَّعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلَمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تُحسنوا، وإن أساؤوا فلا تَظلموا)).

والتبعية العمياء صفة من صفات الجاهلية؛ كما يقول دريد بن الصمة:

وما أنا إلا من غَزيَّةَ إن غوَتْ

غويتُ وإن ترشُد غَزيَّةُ أرشُدِ

والتبعية العمياء ممقوتة حتى ولو كانت تبعية للآباء والأجداد، أو القبيلة والعشيرة، فكيف إذا كانت تبعية للأعداد كأعداء هذا الدين.

ولَمَّا كانت القدوة حاجة مُلحة تحتاجها النفس البشرية، فإن الله - سبحانه وتعالى - مِن مَنِّه وكرَمه جعَل لهذه الأمة خير قدوة عرَفتها البشرية على مدار التاريخ، جعَل لها رسوله الأمين وسيد الخلق أجمعين، فقال - سبحانه -: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

فقد جمعت حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، والعواطف النبيلة المعتدلة، والعادات الحسنة، فكل إنسان مهما كانت حاله، ومهما كان عمله، يجد له من حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدوة كاملة وأُسوة حسنة.

فأنت أيها المسلم، تجد فيه قدوتك في عبادتك، وقدوتك في معاملتك، وقدوتك في خلقك، وقدوتك في مَلبسك، وقدوتك في مأكلك ومشربك، مهما كانت حالك وعلى اختلاف أطوار حياتك.

فإن كنت أخي المسلم غنيًا ثريًّا، فاقتدِ برسولك - صلى الله عليه وسلم - وهو يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان - صلى الله عليه وسلم - أعظم الناس صدقة بما ملَكت يده، وكان لا يسأله أحد شيئًا عنده إلا أعطاه إياه، وكان فرحه وسروره بما يعطيه أعظم من سروره بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير، ويمينه كالريح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه - تارة بطعامه، وتارة بلباسه - وكان ينوع في أصناف عطائه.

وإن كنت فقيرًا معدمًا، فلك في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة وهو محصور في الشِّعب صابرًا محتسبًا راضيًا بما كتب الله له، وكذلك حاله حين قدم المدينة مهاجرًا من مكة لا يَحمل من حطام الدنيا شيئًا، وحتى في المدينة يمر عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار.

وإن كنت معلمًا، فتتبَّع أحواله وهو يعلم أصحابه - رضي الله عنهم - فقد كان يحثهم على الخير ويعينهم عليه، ويحذرهم من الشر، ويبعدهم منه، ويخاطبهم على قدر عقولهم، ولا يكلفهم ما لا يطيقون، وكان يشجعهم في مواطن التشجيع، ويؤاخذهم في مواطن المؤاخذة، ويعطف عليهم في مواطن العطف، ويشتد عليهم في مواطن الشدة.

أما أنتم يا طلاب المدارس والجامعات، فلكم أيضًا من حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصيب عندما كان يجلس جاثيًا مسترشدًا بين يدي جبريل - عليه السلام - بأدب وإصغاء، وحرص على الاستيعاب.

وإن كنت شابًّا فاقرأ سيرته النزيهة الطاهرة في شبابه وبُعده عن لَهو الناس، وما اعتادوه من باطل؛ حيث كان في شبابه وقبل بَعثته في قومه أفضلهم مُروءة وأحسنهم خلقًا، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والبذاءة، وما كان يقترف ما لا يليق بشأنه، واصلاً للرحم، حاملاً لما يثقل كواهل الناس، مكرمًا للضيف، عونًا على البر والتقوى، وكان يأكل من عمل يده ويقنع برزقه.

وإن كنت زوجًا، فتأمَّل سيرته مع أزواجه، فقد كان معهن حسن المعاشرة حسن الخلق، وتأمَّل حاله مع عائشة - رضي الله عنها - فقد كانت إذا هويت شيئًا لا محذور فيه، تابعها عليه، وإذا شربت من الإناء أخذه ووضع فمه في موضع فمها وشرِب، وسابقها في السفر مرتين، وكان إذا أراد سفرًا، أقرع بين نسائه، فأيتهنَّ خرج سهمها، خرج بها.

وإن كنت أبًا لأولاد، فتعلم ما كان عليه والد فاطمة، وجد الحسن والحسين، من العطف عليهم والرحمة والحرص على تأديبهم، ولم تشغله واجبات الرسالة على ضخامتها عن رعايتهم.

وأيًّا ما كنت وفي أي شأن من شأنك، فإنك مهما أصبحت أو أمسيت، وعلى أي حال بت أو أضحيت، فلك في حياة محمد - صلى الله عليه وسلم - هداية حسنة وقدوة صالحة، تضيء لك بنورها دياجي الحياة، ويتجلى لك بضوئها ظلام العيش.

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].