المشرف العام

حيـاتنا قـيـم : القيم الإيمانية

التوكل
مقال تجاربمخططقصة
توكل على الله حق التوكل تكن من الفائزين
fiogf49gjkf0d

 

توكل على الله حق التوكل تكن من الفائزين

رشيد لخضر

إن الإيمان هو التصديق، وكل تصديق بالقلب فهو علم، وإذا قوي سمي يقينا، وأبواب اليقين كثيرة، منها: التوحيد، وتوحيد الله تعالى الذي ترجمته قولك أيها المؤمن:"لا إله إلا الله وحده لا شريك له" فهذا التوحيد هو الذي ينبني عليه التوكل، فإذا عرفت أن الله سبحانه وتعالى هو المُستحق للعبودية لا معبود سواه، له الملك وله الحمد، فقد تم إيمانك واكتمل، وبذلك تكون من المتوكلين على الله حق التوكل.

ولا يصح توكلنا على الله تعالى إلا إذا عرفنا الوكيل، فالوكيل من أسماء الله الحسنى، فهذا الوكيل هو خالقنا ومدبر شؤوننا، هو الذي يتولانا ولا يضيعنا، يرزقنا ولا يحرمنا؛ إنه الخالق سبحانه وتعالى الذي يتولى برعايته النطفة إلى أن تتحول إلى جنين، وإلى أن يخرج الجنين إلى الحياة، وهكذا ففي كل مرحلة رعاية إلى أن يرجع المخلوق إلى خالقه.

وإذا نظرنا إلى حال مجتمعنا اليوم نجد أن بعض الناس لا يتوكلون على خالقهم حق التوكل، فهم منشغلون بالجري وراء مطامع الدنيا وملذاتها، وبعضهم ينظر إلى الحياة بنظرة التشاؤم واليأس، وقد نسي هؤلاء التوكل على خالقهم في كل ما يقومون به.

ولعل السبب وراء هذا هو جهل الناس بحقيقة التوكل، فالتوكل هو انطراح القلب بين يدي الله كانطراح الميت بين يدي مغسله، وهذا تشبيه بليغ حيث أن المغسل يقلب الميت كيف يشاء، فكذلك يكون قلبك مع الله تعالى، وكأنك تقول: يا رب افعل بي ما تشاء، أنا سلمت كياني لك يا الله، وراض بما ستفعله بي، فأنا متوكل عليك، لأني موقن بأنك لن تسلمني للبشر أبدا، فأنا متوكل عليك.

إن التوكل على الله تعالى عبادة قلبية محضة لا تمارس إلا بالقلب والتوكل صفة المؤمنين، ومنزلة عظيمة لا يبلغها إلا المخلصون الصادقون، قال تعالى:"وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين" وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم"فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" وقال تعالى عن أصحاب نبيه "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"، فالتوكل على الله تعالى صفة الأنبياء و المرسلين وشعار المؤمنين الصادقين.

لكن المتأمل في حال الناس اليوم يرى بأن هذه العبادة قد فهمت فهما خاطئا، فكثير من الناس تجدهم يتركون تناول الدواء، ويتركون الإعداد الجيد للامتحانات، ولا يسعوا وراء أسباب الرزق بدعوى أن الله تعالى هو المتكفل بذلك كله.

صحيح أن الله تعالى متكفل بعباده، ولكن ذلك لا يعني ترك الأخذ بالأسباب، بل يجب اعتقاد أن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه، فهو كالدعاء الذي جعله الله سببا في حصول المدعو به، ثم تأتي الأسباب الأخرى بعد ذلك من جد واجتهاد، وكد وسعي وراء طلب الرزق، فالتوكل بداية الأسباب، كما لا يتعارض التوكل مع التخطيط ، ولكن الخطأ أن يبقى الإنسان مهموما حزينا بعد التخطيط، والصواب أن تريح نفسك من الهم بعد التدبير، فلم الهم والحزن وأنت قد فوضت أمرك إلى خالقك، فإذا أردت أن تتوكل على الله تعالى في الرزق، فيجب أن تعلم بأن الله عز وجل كتب رزقك في السماء، يقول الله تبارك وتعالى:"وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون"، وتأملوا معي هذا الحديث "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد"، أبعدا هذا قلق؟ أبعدا هذا هم وحزن؟ أبعدا هذا تلجأ إلى البشر أم إلى خالق البشر؟.

إن الناظر في القرآن الكريم يجد أنه في أعلب الآيات التي تحث على التوكل تذكر بتعظيم الله عز وجل حتى يتم تنبيه العباد على أن التوكل لا يكون إلا على الملك الجبار العظيم، مالك الملك. يقول الله تبارك وتعالى"وتوكل على الحي الذي لا يموت"، فكثير من الناس تجدهم يتوكلون على أناس كلهم أموات، يشكون لهم همومهم ويسألونهم الفرج من عندهم ناسين الحي الذي لا يموت رب العرش العظيم.

ومن الناس من يلجأ إلى الأموات، فيقول: أدركني يا فلان أنا مفجوع، أدركني يا فلان أنا خائف..أنا عندي مشكلة..أنا حزين، وقد تناسوا أن يلجؤوا إلى ملك الملوك، وجهلوا دأب النبي صلى الله عليه وسلم، حيث نجده عليه السلام أنه إذا اشتد به أمر أو أفزعه أمر يكثر من هذا الدعاء:"يا حي قيوم برحمتك أستغيث"، إنه توكل على الله تعالى في أصعب اللحظات.

وها هو نبينا صلوات الله عليه يعلم غلاما وهو عبد الله بن عباس ـ الصحابي الجليل ـ وكان سنه آنذاك عشر سنوات أو اثنتا عشرة سنة، كيف يتوكل على الله حق التوكل فيقول: يا غلام إني أعلمك كلمات: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"إنه إرشاد إلى التوكل على المولى عز وجل ولا يجب أن نتخذ ربا سواه ولا نتعلق بغيره حيا أو ميتا، كما قال تعالى ك "ومن يتوكل على الله فهو حسبه"، فبقدر ما يلجأ الشخص إلى غير الله تعالى بطلبه أو بقلبه أو بأمله فقد

fiogf49gjkf0d
أعرض عن ربه بمن لا يضره ولا ينفعه، كذلك الخوف من غير الله، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال"واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشي قد كتبه الله عليك"، وهذا هو الإيمان بالقدر والإيمان به واجب خيره وشره، وإذا تيقن المؤمن هذا فما فائدة سؤال غير الله والاستعانة به، وختم النبي عليه السلام تعليمه للغلام بقوله في هذا الحديث"رفعت الأقلام، وجفت الصحف"، وهذا تأكيد منه صلى الله عليه وسلم لما ذُكر أي أنه لن يكون خلاف ما ذكر ولن يتغير مهما حصل.

ولقد سجل لنا التاريخ نماذج مشرقة لثلة من المتوكلين على الله تعالى حق التوكل، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو خير المتوكلين ـ خير نموذج، إذ كان صلوات الله عليه يعطي القدوة والمثال في حسن التوكل على الخالق عز وجل، وقد ظهر ذلك في أغلب المعارك التي خاضها صلى الله عليه وسلم رفقة أصحابه الكرام، ومن ذل غزوة أحد التي كان فيها تشاور وبعدها عزم وتوكل على الله تعالى، لتعطي درسا ربانيا نبويا للأمة كلها، قال الله تعالى: "فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين".

ويمضي السياق في نفس السورة لتقرير حقيقة التوكل على الله، وهي أن القوة في النصر والخذلان هي قوة الله، فمندها يلتمس النصر ومنها تتقى الهزيمة، وإليها يكون التوجه، وعليها يكون التوكل"إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون".

إن التوكل نعمة عظيمة لا يظفر بها إلا كل مؤمن تقي قد لامس الإيمان شغاف قلبه، وكان من بين هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بنعمة التوكل "عكاشة بن محصن" رضي الله عنه الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بلا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفا وثلاث حثيات من حثيات ربي" فقام عكاشة فقال:"يا رسول الله أدع الله أن أكون منهم، فقال له النبي صلوات الله عليه"أنت منهم"، فقام آخر من الصحابة فقال: يا رسول الله أدع الله أن أكون منهم، فقال صلى الله عليه وسلم:"سبقك بها عكاشة"، فكان بذلك عكاشة بن محصن رضي الله عنه هو المتوكل الذي يدخل الحنة بغير حساب ولا عذاب.

وحاصل القول إن التوكل يتحقق بالتدريب، فكلما دفعتك نفسك إلى الضعف والانهزام والاستعانة بغير الله تعالى ادفعها إلى اللجوء إلى خالقها عز وجل، ولابد من دوام التعلق بالله جلا وعلا، والإكثار من ذكر الله تعالى حتى يكون قلبك موصولا بالله عز وجل، ثم لابد من السلاح الذي يمتلكه العبد المؤمن، ألا وهو الدعاء، فادع الله أن يجعلك من المتوكلين.